عثمان بن جني ( ابن جني )
63
الخصائص
باب في زيادة الحروف وحذفها وكلا ذينك ليس بقياس ؛ لما سنذكره . أخبرنا أبو علىّ - رحمه اللّه - قال قال أبو بكر : حذف الحروف ليس بالقياس . قال : وذلك أن الحروف إنما دخلت الكلام لضرب من الاختصار ، فلو ذهبت تحذفها لكنت مختصرا لها هي أيضا ، واختصار المختصر إجحاف به . تمت الحكاية . وتفسير قوله : " إنما دخلت الكلام لضرب من الاختصار " هو أنك إذا قلت : ما قام زيد فقد أغنت ( ما ) عن ( أنفى ) ؛ وهي جملة فعل وفاعل . وإذا قلت : قام القوم إلا زيدا فقد نابت ( إلا ) عن ( أستثنى ) وهي فعل وفاعل . وإذا قلت قام زيد وعمرو ؛ فقد نابت الواو عن ( أعطف ) . وإذا قلت : ليت لي مالا ؛ فقد نابت ( ليت ) عن ( أتمنّى ) . وإذا قلت : هل قام أخوك ؛ فقد نابت ( هل ) عن ( أستفهم ) . وإذا قلت : ليس زيد بقائم ؛ فقد نابت الباء عن ( حقّا ) ، و ( ألبتّة ) ، و ( غير ذي شكّ ) . وإذا قلت ( فبما نقضهم ميثاقهم ) فكأنك قلت : فبنقضهم ميثاقهم فعلنا كذا حقّا ، أو يقينا . وإذا قلت : أمسكت بالحبل ؛ فقد نابت الباء عن قولك : أمسكته مباشرا له وملاصقة يدي له . وإذا قلت : أكلت من الطعام ؛ فقد نابت ( من ) عن البعض ، أي أكلت بعض الطعام . وكذلك بقيّة ما لم نسمه . فإذا كانت هذه الحروف نوائب عمّا هو أكثر منها من الجمل وغيرها لم يجز من بعد ذا أن تتخرّق عليها ، فتنتهكها وتجحف بها . ولأجل ما ذكرنا : من إرادة الاختصار بها لم يجز أن تعمل في شيء من الفضلات : الظرف والحال والتمييز والاستثناء وغير ذلك . وعلّته أنهم قد أنابوها عن الكلام الطويل لضرب من الاختصار ؛ فلو ذهبوا يعملونها فيما بعد لنقضوا ما أجمعوه ، وتراجعوا عما اعتزموه . فلهذا لا يجوز ما زيد أخوك قائما ؛ على أن تجعل ( قائما ) حالا منك ، أي أنفى هذا في حال قيامي ، ولا حالا من ( زيد ) ، أي أنفى هذا عن زيد في حال قيامه . ولا هل زيد أخوك يوم الجمعة ؛ على أن تجعل يوم الجمعة ظرفا لما دلت عليه