عثمان بن جني ( ابن جني )

53

الخصائص

وقد قال هميان بن قحافة : لمّا رأتني أمّ عمرو صدفت * قد بلغت بي ذرأة فألحفت " 1 " وهامة كأنها قد نتفت * وانعاجت الأحناء حتى احلنقفت " 2 " وهي تسعة وثلاثون بيتا ، والتزم في جميعها الفاء ، وليست واجبة وإن كانت قريبة من صورة الوجوب . وذلك أن هذه التاء في الفعل إذا صارت إلى الاسم صارت في الوقف هاء في قولك : صادفة وملحفة ومحلنقفة ( فإذا صارت هاء ) لم يكن الروىّ إلا ما قبلها ، فكأنها لمّا سقط حكمها مع الاسم من ذلك الفعل صارت في الفعل نفسه قريبة من ذلك الحكم . وهذا الموضع لقطرب . وهو جيّد . ومن ذلك تائية كثير : * خليلىّ هذا ربع عزّة فاعقلا * لزم في جميعها اللام والتاء . ومنه قول منظور : * من لي من هجران ليلى من لي * لزم اللام المشدّد إلى آخرها . وفي المحدثين من يسلك هذا الطريق ، وينبغي أن يكونوا إليه أقرب ، وبه أحجى ، إذ كانوا في صنعة الشعر أرحب ذراعا ، وأوسع خناقا ؛ لأنهم فيه متأنّون ، وعليه متلوّمون " 3 " ، وليسوا بمرتجليه ، ولا مستكرهين فيه . وقد كان ابن الرومىّ رام ذلك لسعة حفظه ، وشدّة مأخذه . فمن ذلك رائيّته في وصف العنب ؛ وهي قوله :

--> ( 1 ) ذرأة أي شيب . ( 2 ) البيت الأول من الرجز يروى لحسان بن ثابت في ديوانه ص 374 ، ولسان العرب ( بلع ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( شنف ) ، وتاج العروس ( بلع ) . والثاني من الرجز لهميان بن قحافة في لسان العرب ( حلقف ) ، ( حنا ) ، وتاج العروس ( حنا ) . الأحناء : الجوانب . واحلنقف الشئ : أفرط اعوجاجه . ( 3 ) التلوم في الأمر : التمهل فيه والتريث .