عثمان بن جني ( ابن جني )
523
الخصائص
الموضعين ؛ فإنه واضح . فأمّا قولنا : أخذت كلّ المال ، وضربت كل القوم ، فليس الكل هو ما أضيف إليه . قال أبو بكر : إنما الكل عبارة عن أجزاء الشئ ، وكما جاز أن يضاف أجزاء الجزء الواحد إلى الجملة ، جاز أيضا أن تضاف الأجزاء كلها إليه . فإن قيل : فالأجزاء كلّها هي الجملة ، فقد عاد الأمر إلى إضافة الشئ إلى نفسه . قيل : هذا فاسد ، وليس أجزاء الشئ هي الشئ وإن كان مركّبا منها . بل الكل في هذا جار مجرى البعض في أنه ليس بالشئ نفسه ؛ كما أن البعض ليس به نفسه . يدل على ذلك وأن حال البعض متصوّرة في الكل قولك : كل القوم عاقل ، أي كل واحد منهم على انفراده عاقل . هذا هو الظاهر ، وهو طريق الحمل على اللفظ ؛ قال اللّه تعالى : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [ مريم : 95 ] ، وقال تعالى : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها [ الكهف : 33 ] فوحّد ، وقال : * كلا أبويكم كان فرع دعامة " 1 " * فلم يقل : كانا ، وهو الباب . ومثله قول الأعشى أيضا : حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر " 2 " أي حتى يقول كل واحد منهم : يا عجبا . وعليه قول الآخر : تفوّقت مال ابني حجير وما هما * بذى حطمة فان ولا ضرع غمّر " 3 " أي : وما كل واحد منهما كذلك . فأما قوله تعالى : وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ [ النمل : 87 ] و كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [ البقرة : 116 ] فمحمول على المعنى دون اللفظ . وكأنه إنما حمل عليه هنا لأن كلا فيه
--> ( 1 ) الفرع : الشريف . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) تفوق المال : أخذه شيئا بعد شيء ، مشتقّ من فواق الناقة . ذو الحطمة : الهرم . الضرع : الضعيف . الغمر : من لم يجرب الأمور .