عثمان بن جني ( ابن جني )

510

الخصائص

باب في جمع الأشباه من حيث يغمض الاشتباه هذا غور من اللغة بطين ، يحتاج مجتابه إلى فقاهة في النفس ، ونصاعة من الفكر ، ومساءلة خاصّيّة ، ليست بمبتذلة ولا ذات هجنة . ألقيت يوما على بعض من كان يعتادنى ، فقلت : من أين تجمع بين قوله : لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه * فيه كما عسل الطريق الثعلب " 1 " وبين قولنا : اختصم زيد وعمرو ؟ فأجبل " 2 " ورجع مستفهما . فقلت : اجتماعهما من حيث وضع كل واحد منهما في غير الموضع الذي بدئ له . وذلك أن الطريق خاصّ وضع موضع العامّ . ( وذلك ) أن وضع هذا أن يقال : كما عسل أمامه الثعلب ، وذلك الأمام قد كان يصلح لأشياء من الأماكن كثيرة : من طريق وعسف وغيرهما . فوضع الطريق - وهو بعض ما كان يصلح للإمام أن يقع عليه - موضع الإمام . فنظير هذا أنّ واو العطف وضعها لغير الترتيب ، وأن تصلح للأوقات الثلاثة ؛ نحو جاء زيد وبكر . فيصلح أن يكونا جاءا معا ، وأن يكون زيد قبل بكر ، وأن يكون بكر قبل زيد . ثم إنك قد تنقلها من هذا العموم إلى الخصوص . وذلك قولهم : اختصم زيد وعمرو . فهذا لا يجوز أن يكون الواو فيه إلا لوقوع الأمرين في وقت واحد . ففي هذا أيضا إخراج الواو عن أوّل ما وضعت له في الأصل : من صلاحها للأزمنة الثلاثة ، والاقتصار بها على بعضها ؛ كما اقتصر على الطريق

--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو لساعدة بن جؤية الهذلي في تخليص الشواهد ص 503 ، وخزانة الأدب 3 / 83 ، 86 ، والدرر 3 / 86 ، وشرح أشعار الهذليين ص 1120 ، وشرح التصريح 1 / 312 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 155 ، وشرح شواهد المغنى ص 885 ، والكتاب 1 / 36 ، 214 ، ولسان العرب ( وسط ) ، ( عسل ) ، والمقاصد النحوية 2 / 544 ، ونوادر أبى زيد ص 15 ، وبلا نسبة في أسرار العربية ص 180 ، وأوضح المسالك 2 / 179 ، وجمهرة اللغة ص 842 ، وشرح الأشمونى 1 / 197 ، ومغنى اللبيب ص 11 ، وهمع الهوامع 1 / 200 . ( 2 ) وفي حديث عكرمة : ما لك أجبلت ، أي انقطعت ، من قولهم أجبل الحافر إذا أفضى إلى الجبل أو الصخر الذي لا يحيك فيه المعول . وسألته فأجبل ، أي وجدته جبلا . اللسان ( جبل ) .