عثمان بن جني ( ابن جني )

452

الخصائص

من ضدّ السداد ، وزيغ الاعتقاد . وطريق ذلك أن هذه اللغة أكثرها جار على المجاز ، وقلّما يخرج الشئ منها على الحقيقة . وقد قدّمنا ذكر ذلك في كتابنا هذا وفي غيره . فلمّا كانت كذلك ، وكان القوم الذين خوطبوا بها أعرف الناس بسعة مذاهبها ، وانتشار أنحائها ، جرى خطابهم بها مجرى ما يألفونه ، ويعتادونه منها ، وفهموا أغراض المخاطب لهم بها على حسب عرفهم ، وعادتهم في استعمالها . وذلك أنهم يقولون : هذا الأمر يصغر في جنب هذا ، أي بالإضافة إليه ، و ( قرنه به ) . فكذلك قوله تعالى : يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ( أي فيما يبنى وبين اللّه ) إذا أضفت تفريطي إلى أمره لي ونهيه إياي . وإذا كان أصله اتساعا جرى بعضه مجرى بعض . وكذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلم : كلّ الصيد في جنب الفرأ " 1 " ، ( وجوف القراء ) ، أي ( كأنه يصغر ) بالإضافة إليه وإذا قيس به . وكذلك قوله - سبحانه - : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ، إنما هو الاتجاه ( إلى اللّه ) ، ألا ترى إلى بيت الكتاب : أستغفر اللّه ذنبا لست محصيه * ربّ العباد إليه الوجه والعمل " 2 " أي الاتجاه . فإن شئت قلت : إن الوجه هنا مصدر محذوف الزيادة ، كأنه وضع الفعل موضع الافتعال ، كوحده ، وقيد الأوابد ( - في أحد القولين - ) ونحوهما . وإن شئت قلت : خرج مخرج الاستعارة . وذلك أن وجه الشئ أبدا هو أكرمه

--> ( 1 ) المصدر السابق ( 1677 ) ، وقال : " رواه الرامهرمزي في الأمثال عن نصر بن عاصم الليثي . . . وسنده جيد ، لكنه مرسل ، ونحوه عند العسكري ، وقال " في جوف أو جنب " . الفرأ : حمار الوحش . ( 2 ) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة في أدب الكاتب ص 524 ، والأشباه والنظائر 4 / 16 ، وأوضح المسالك 2 / 283 ، وتخليص الشواهد ص 405 ، وخزانة الأدب 3 / 111 ، 9 / 124 ، والدرر 5 / 186 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 420 ، وشرح التصريح 1 / 394 ، وشرح شذور الذهب ص 479 ، وشرح المفصل 7 / 63 ، 8 / 51 ؛ والصاحبى في فقه اللغة ص 181 ، والكتاب 1 / 37 ، ولسان العرب ( غفر ) ، والمقاصد النحوية 3 / 226 ، والمقتضب 2 / 321 ، وهمع الهوامع 2 / 82 .