عثمان بن جني ( ابن جني )

448

الخصائص

باب في التراجع عند التناهي هذا معنى مطروق في غير صناعة الإعراب ؛ كما أنه مطروق فيها . وإذا تشاهدت حالاهما كان أقوى لها ، وأذهب في الأنس بها . فمن ذلك قولهم : إن الإنسان إذا تناهى في الضحك بكى ، وإذا تناهى في الغمّ ضحك ، وإذا تناهى في العظة أهمل ، وإذا تناهت العداوة استحالت مودّة . وقد قال : * وكلّ شيء بلغ الحدّ انتهى * وأبلغ من هذا قول شاعرنا : ولجدت حتى كدت تبخل حائلا * للمنتهى ، ومن السرور بكاء والطريق في هذا ونحوه معروفة مسلوكة . وأمّا طريق صناعة الإعراب في مثله ؛ فقول أبي إسحاق في ذكر العلّة التي امتنع لها أن يقولوا : ما زال زيد إلا قائما : ( نفى و ) نفى النفي إيجاب . وعلى نحو هذا ينبغي أن يكون قولهم : ظلمة ، وظلم ، وسدرة ، وسدر ، وقصعة ، وقصاع ، ( وشفرة وشفار ) . وذلك أن الجمع يحدث للواحد تأنيثا ؛ نحو قولهم : هذا جمل ، وهذه جمال ، وهذا رجل ، وهذه رجال قد أقبلت . وكذلك بكر وبكارة ، وعير وعيورة ، وجريب وأجربة " 1 " ، وصبىّ وصبية ، ونحو ذلك . فلمّا كانت ظلمة ، وسدرة ، وقصعة ، مؤنّثات - كما ترى - وأردت أن تكسّرها ، صرت كأنك أردت تأنيث المؤنّث : فاستحال بك الأمر إلى التذكير ، فقلت ظلم ، وسدر ، وقصاع ، وشفار . فتراجعت للإيغال في التأنيث إلى لفظ التذكير . فعلى هذا النحو لو دعا داع ، أو حمل حامل على ( تأنيث نحو ) قائمة ومسلمة لكان طريقه - على ما أرينا - أن نعيده إلى التذكير ، فنقول : قائم ، ومسلم . هذا لو سوّغ مسوّغ تأنيث نحو

--> ( 1 ) الجريب من الطعام والأرض : مقدار معلوم الذّراع والمساحة ، والجريب : الوادي . وانظر اللسان ( جرب ) .