عثمان بن جني ( ابن جني )

413

الخصائص

وأمّا دحندح فإنه صوتان : الأوّل منهما منوّن : دح ، والآخر منهما غير منوّن : دح ( وكأنّ الأوّل نوّن للوصل . ويؤكّد ذلك قولهم في معناه : دح دح ) فهذا كصه صه في النكرة ، وصه صه في المعرفة . فظنّته الرواة كلمة واحدة . ومن هنا قلنا : إن صاحب اللغة إن لم يكن له نظر أحال كثيرا منها ، وهو يرى أنه على صواب . ولم يؤت من أمانته ، وإنما أتى من معرفته . ونحو هذا الشاهد إذا لم يكن فقيها : يشهد بما لا يعلم وهو يرى أنه يعلم . ولذلك ما استدّ عندنا أبو عمرو الشيبانىّ لملازمته ليونس وأخذه عنه . ومعنى هذه الكلمة فيما ذكر ( محمد بن الحسن أبو بكر : قد أقررت فاسكت ) ( وذكر محمد بن حبيب أن دحندح دويبة صغيرة : يقال هو أهون علىّ من دحندح ) ومثل هذين الصوتين عندي قول الآخر : إن الدقيق يلتوى بالجنبخ * حتى يقول بطنه جخ جخ " 1 " فهذا حكاية صوت بطنه . وأمّا عفرّين فقد ذكر سيبويه فعلا كطمرّ وحبرّ " 2 " . فكأنه ألحق علم الجمع كالبرحين " 3 " والفتكرين " 4 " . إلا أن بينهما فرقا . وذلك أن هذا يقال فيه : البرحون والفتكرون ، ولم يسمع في عفرّين الواو . وجواب هذا أنه لم يسمع عفرّين في الرفع بالياء ، وإنما سمع في موضع الجرّ ، وهو قولهم : ليث عفرّين " 5 " . فيجب أن يقال فيه في الرفع : هذا عفرّون . لكن لو سمع في موضع الرفع بالياء لكان أشبه بأن يكون فيه النظر . فأمّا وهو في موضع الجر فلا يستنكر فيه الياء وأما ترعاية فقد قيل فيه أيضا : رجل ترعيّة ، وترعاية . وكان أبو علىّ صنع ترعاية فقال : أصلها ترعيّة ثم أبدلت الياء الأولى للتخفيف ألفا ؛ كقولهم في الحيرة : حارىّ . وإذا كان ذاك أمرا محتملا لم يقطع بيقين على أنه مثال فائت في

--> ( 1 ) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ( جخخ ) ، ( جنبخ ) ، وتهذيب اللغة 7 / 639 ، وتاج العروس ( جنبخ ) ، ويروى ( القصير ) مكان ( الدقيق ) . الدقيق : دقيق الجسم ضئيله . والجنبخ : الطويل . ( 2 ) حبر : موضع في البادية . ( 3 ) البرحين : بكسر الباء وضمها - الشدائد والدواهي . ( 4 ) الفتكرين : بكسر الفاء وضمها أيضا - الشدائد والدواهي . ( 5 ) يقال : ليث عفرّين أي أسد قوى .