عثمان بن جني ( ابن جني )
406
الخصائص
معنى غاية الكثرة ، فيأتي لذلك بلفظ غاية القلّة . وذلك لم يجيزوا : زيد إقبالة وإدبارة ، قياسا على زيد إقبال وإدبار . فعلى هذا لا يجوز أن يكون قولهم : تلقّامة على حدّ قولك : هذا رجل صوم . لكن الهاء فيه كالهاء في علامة ونسّابة للمبالغة . وإذا كان كذلك فإنه قد ( كاد يفارق ) مذهب الصفة ؛ ألا ترى أنّ من شرط الصفة أن تطابق موصوفها في تذكيره ، وتأنيثه ، فوصف المذكر بالمؤنث ، ووصف المؤنث بالمذكر ليس متمكنا في الوصف تمكّن وصف المؤنّث بالمؤنّث ، والمذكّر بالمذكّر . فقولك إذا : هذا رجل عليم أمكن في الوصف من قولك : هذا رجل علامة ؛ كما أن قولك : مررت بامرأة كافرة أمكن في الوصف من قولك : مررت بامرأة كفور . وإذا كان كذلك جرى تلقّامة من قولك ( مررت برجل ) تلقّامة نحوا من مجرى مررت بنسوة أربع ، في أن أربعا ليس بوصف متمكّن ( ولذلك صرفته ) ، وإن كان ( صفة وصف ) على أفعل . فكأنّ تلقّامة بعد ذلك كله اسم لا صفة ، وإذا كان اسما أو كالاسم سقط الاعتذار منه ؛ لأن سيبويه قد ذكر في المصادر تفعّلت تفعالا ، فإذا ذكره أغنى عن ذكره في الأبنية ، ولم يجز لقائل أن يذكره مثالا معتدّا عليه . كما أن ترعاية " 1 " في الصفات تسقط عنه أيضا من هذا الوجه ؛ ألا تراه صفة مؤنّثة جرت على موصوف مذكّر ، فأوحش ذلك منها في الوصف ، وجرى لذلك مجرى : مررت برجال أربعة ، في أن أربعة ليس وصفا محضا ، وإنما هو اسم عدد بمنزلة نسوة أربع ؛ كما أن ربعة لمّا لم يخصّ المؤنّث دون المذكّر جرى لذلك مجرى الاسم ، فلذلك قالوا في جمعه : ربعات ، فحرّكوا كما يحرّكون في الاسم نحو قصعات . و ( إذا كان كذلك سقط عنه أيضا أن لم يذكر تفعالا في الصفة . و ) كذلك ما حكاه الأصمعىّ من قولهم ؛ ناقة تضرّاب " 2 " ؛ لأنها لمّا كانت صفة مذكّرة جارية على مؤنّث لم تستحكم في الصفة .
--> ( 1 ) يقال : رجل ترعاية إذا كان يصلح المال على يده ويجيد رعية الإبل . بضم التاء وكسرها . ( 2 ) يقال : ناقة تضراب أي ضربها الفحل ، وضرب الجمل الناقة يضربها إذا نزا عليها .