عثمان بن جني ( ابن جني )

397

الخصائص

باب في كثرة الثقيل ، وقلة الخفيف هذا موضع من كلامهم طريف . وذلك أنا قد أحطنا علما بأنّ الضمة أثقل من الكسرة ، وقد ترى مع ذلك إلى كثرة ما توالت فيه الضمّتان ؛ نحو طنب ، وعنق ، وفنق " 1 " ، وحشد ، وجمد ، وسهد ، وطنف " 2 " ، وقلّة نحو إبل . وهذا موضع محتاج إلى نظر . وعلّة ذلك عندي أن بين المفرد والجملة أشباها . منها وقوع الجملة موقع المفرد في الصفة ، والخبر ، والحال . فالصفة نحو مررت برجل وجهه حسن . والخبر نحو زيد قام أخوه . والحال كقولنا : مررت بزيد فرسه واقفة . ومنها أن بعض الجمل قد تحتاج إلى جملة ثانية احتياج المفرد إلى المفرد . وذلك في الشرط وجزائه ، والقسم وجوابه . فالشرط نحو قولك : إن قام زيد قام عمرو . والقسم نحو قولك : أقسم ليقومنّ زيد . فحاجة الجملة الأولى إلى الجملة الثانية كحاجة الجزء الأوّل من الجملة إلى الجزء الثاني ؛ نحو زيد أخوك ، وقام أبوك . ومنها أن المفرد قد أوقع موقع الجملة في مواضع ؛ كنعم ، ولا ؛ لأن كل واحد من هذين الحرفين نائب عن الجملة ؛ ألا ترى إلى قولك : نعم في موضع قد كان ذاك ، ( ولا في موضع لم يكن ذاك ) وكذلك صه ، ومه ، وإيه ، وأفّ ، وأوّتاه ، وهيهات : كل واحد منها جزء مفرد وهو قائم برأسه ، وليس للضمير الذي فيه استحكام الضمير في الفعل . ( يدلّ على ذلك أنه لمّا ظهر في بعض أحواله ظهر مخالفا للضمير في الفعل ) وذلك قول اللّه سبحانه : هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [ الحاقة : 19 ] وأنت لا تقول في الفعل : اضربم ولا ادخلم ولا اخرجم ، ولا نحو ذلك .

--> ( 1 ) يقال جارية فنق : منعمة . ( 2 ) الطّنف : ما نتأ من الجيل ، والطّنف : السقيفة تشرع فوق باب الدار ، والطّنف : السّيور .