عثمان بن جني ( ابن جني )

377

الخصائص

باب في حرف اللين المجهول وذلك مدّة الإنكار ؛ نحو قولك في جواب من قال : رأيت بكرا : أبكرنيه ، وفي جاءني محمد : أمحمدنيه ، وفي مررت على قاسم : أقاسمنيه ! وذلك أنك ألحقت مدّة الإنكار ، وهي لا محالة ساكنة ، فوافقت التنوين ساكنا ، فكسر ( لالتقاء الساكنين ) فوجب أن تكون المدّة ياء لتتبع الكسرة . وأىّ المدّات الثلاث كانت فإنها لا بدّ أن توجد في اللفظ بعد كسرة التنوين ياء ؛ لأنها إن كانت في الأصل ياء فقد كفينا النظر في أمرها . وإن كانت ألفا أو واوا فالكسرة قبلها تقلبها إلى الياء البتّة . فإن قيل : أفتنصّ في هذه المدّة على حرف معيّن : الألف أو الياء أو الواو ؟ قيل : لم تظهر في شيء من الإنكار على صورة مخصوصة فيقطع بها عليها دون أختيها ، وإنما تأتى تابعة لما قبلها ؛ ألا تراك تقول في قام عمر : أعمروه ، وفي رأيت أحمد : أأحمداه ، وفي مررت بالرجل آلرجليه ، وليست كذلك مدّة الندبة ؛ لأن تلك ألف لا محالة ، وليست مدّة مجهولة مدبّرة بما قبلها ؛ ألا تراها تفتح ما قبلها أبدا ، ما لم تحدث هناك لبسا ، ونحو ذلك ؛ نحو وا زيداه ، ولم يقولوا : وا زيدوه ، وإن كانت الدال مضمومة في وا زيد . وكذلك واعبد الملكاه ، ووا غلام زيداه ، لمّا حذفت لها التنوين ( من زيد ) صادفت الدال مكسورة ففتحتها . غير أننا نقول : إن أخلق الأحوال بها أن تكون ألفا من موضعين . أحدهما أن الإنكار مضاه للندبة . وذلك أنه موضع أريد فيه معنى الإنكار والتعجب ، فمطل الصوت به وجعل ذلك أمارة لتناكره ؛ كما جاءت مدّة الندبة إظهارا للتفجّع ؛ وإيذانا بتناكر الخطب الفاجع ، والحدث الواقع . فكما أن مدّة الندبة ألف ، فكذلك ينبغي أن تكون مدّة الإنكار ألفا . والآخر أن الغرض في الموضعين جميعا إنما هو مطل الصوت ، ومدّه وتراخيه ، والإبعاد فيه لمعنى الحادث هناك . وإذا كان الأمر كذلك فالألف أحقّ به دون أختيها ؛ لأنها أمدّهنّ صوتا ، وأنداهنّ ، وأشدّهنّ إبعادا ( وأنآهنّ ) . فأمّا مجيئها تارة