عثمان بن جني ( ابن جني )
363
الخصائص
وكذلك كسرة ضاد تقضين غير كسرتها المقدّرة فيها في أصل حالها ، وهو تقضين . والقول هنا هو ما تقدّم في يدعون ويغزون . فهذا حكم الحركتين المتفقتين . وأما المختلفتان فأمرهما واضح . وذلك نحو يرمون ويقضون . والأصل : يرميون ويقضيون ، فأسكنت الياء استثقالا للضمّة عليها ، ونقلت إلى ما قبلها فابتزّته كسرته ؛ لطروئها عليها ؛ فصار : يرمون ويقضون . وكذلك قولهم : أنت تغزين ، أصله تغزوين ، فنقلت الكسرة من الواو إلى الزاي ، فابتزّتها ضمتها فصار : تغزين . إلا أن منهم من يشمّ الضمّة إرادة للضمّة المقدّرة ، ومنهم من يخلص الكسرة فلا يشمّ . ويدلّك على مراعاتهم لتلك الكسرة والضمة المبتزّتين عن هذين الموضعين أنهم إذا أمروا ضمّوا همزة الوصل وكسروها إرادة لهما ؛ وذلك كقولهم : اقضوا ، ابنوا ، وقولهم : أغزى ، ادعى . فكسرهم مع ضمة الثالث ، وضمّهم مع كسرته يدلّ على قوّة مراعاتهم للأصل المغيّر ، وأنه عندهم مراعى معتدّ مقدّر . ومن المتّفقة حركاته ما كانت فيه الفتحتان ؛ نحو اسم المفعول من نحو اشتدّ واحمرّ ، وذلك قولهم : مشتدّ ومحمرّ ، من قولك : هذا رجل مشتدّ عليه ، وهذا مكان محمرّ فيه ( وأصله مشتدد ومحمرر ) فأسكنت الدال والراء الأوليان ، وادّغمتا في مثلهما من بعدهما ، ولم ننقل الحركة إلى ما قبلها ، فتغلبه على حركته التي فيه ؛ كما تغلب في يغزون ويرمين . يدل على أنك لم تنقل الحركة هنا كما نقلتها هناك قولهم في اسم الفاعل أيضا كذلك ، وهو ( مشتدّ ومحمرّ ؛ ألا ترى أنّ أصله ) مشتدد ومحمرر . فلو نقلت هذا لوجب أن تقول : مشتدّ ومحمرّ . فلمّا لم تقل ذلك وصحّ في المختلفين اللذين النقل فيهما موجود لفظا ، امتنعت من الحكم به فيما تحصل الصنعة فيه تقديرا ووهما . وسبب ترك النقل في المفتوح انفراد الفتح عن الضمّ والكسر في هذا النحو ؛ لزوال الضرورة فيه ومعه ؛ ألا ترى إلى صحّة الياء والواو جميعا بعد الفتحة ، وتعذّر الياء الساكنة بعد الضمّة ، والواو الساكنة بعد الكسرة . وذلك أنك لو حذفت الضمة في يرميون ولم تنقلها إلى الميم لصار التقدير إلى يرمون ، ثم وجب قلب الواو ياء ، وأن تقول : هم يرمين ، فتصير إلى لفظ جماعة المؤنث . وكذلك لو لم تنقل كسرة الواو في تغزوين إلى الزاي لصار