عثمان بن جني ( ابن جني )
353
الخصائص
أختيها ، وقضيب بكّر أنعم وأتمّ من قوصّ به ، وتمودّ ثوبه ؛ لبعد الواو من أعرق الثلاث في المدّ - وهي الألف - ، وقرب الياء إليها . نعم ، وربما لم يكتف من تقوى لغته ، ويتعالى تمكينه وجهارته ، بما تجشمه من مدّ الألف في هذا الموضع ، دون أن يطغى به طبعه ، ويتخطى به اعتماده ووطؤه ، إلى أن يبدل من هذه الألف همزة ، فيحمّلها الحركة التي كان كلفا بها ، و ( مصانعا بطول ) المدّة عنها ، فيقول : شأبّة ودأبّة . وسنأتي بنحو هذا في بابه ؛ قال كثيّر : * إذا ما العوالي بالعبيط احمأرّت * وقال : وللأرض أمّا سودها فتجلّلت * بياضا وأمّا بيضها فاسوأدّت " 1 " وهذا الهمز الذي تراه أمر يخصّ الألف دون أختيها . وعلّته في اختصاصه بها دونهما ، أن همزها في بعض الأحوال إنما هو لكثرة ورودها ساكنة بعدها الحرف المدغم ، فتحاملوا وحملوا أنفسهم على قلبها همزة ؛ تطرّقا إلى الحركة وتطاولا إليها ، إذ لم يجدوا إلى تحريكها هي سبيلا ، لا في هذا الموضع ولا في غيره . وليست كذلك أختاها ؛ لأنهما وإن سكنتا في نحو هذا قضيب بكّر وتمودّ الثوب فإنهما قد تحرّكان كثيرا في غير هذا الموضع . فصار تحرّكهما في غير هذا الموضع عوضا من سكونهما فيه . فاعرف ذلك فرقا . وقد أجروا الياء والواو الساكنتين المفتوح ما قبلهما مجرى التابعتين لما هو منهما . وذلك نحو قولهم : هذا جيب بكّر أي جيب بكر ، وثوب بكّر ، أي ثوب بكر . وذلك أن الفتحة وإن كانت مخالفة الجنس للياء والواو فإن فيها سرّا ، له ومن أجله جاز أن تمتدّ الياء والواو بعدها في نحو ما رأينا . وذلك أن أصل المدّ وأقواه ، وأعلاه وأنعمه وأنداه ، إنما هو للألف . وإنما الياء والواو في ذلك محمولان عليها ، وملحقان في الحكم بها ، والفتحة بعض الألف ، فكأنها إذا
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لكثير عزة في ديوانه ص 323 ، والمخصص 10 / 166 ، ويروى : ( فادهأمت ) مكان ( فاسوأدت ) . وهو يريد بتجلل الأرض بياضا واسوداد بياضها اضطرابها أو يريد أن قبورها أصبحت بيضا به ، وظهرها أصبح أسود بزواله عنه . ( نجار ) .