عثمان بن جني ( ابن جني )

341

الخصائص

باب في فك الصيغ اعلم أن هذا موضع من العربيّة لطيف ، ومغفول عنه وغير مأبوه له . وفيه من لطف المأخذ وحسن الصنعة ما أذكره ، لتعجب منه ، وتأنق له . وذلك أن العرب إذا حذفت من الكلمة حرفا ، إمّا ضرورة أو إيثارا ، فإنها تصوّر تلك الكلمة بعد الحذف منها تصويرا تقبله أمثلة كلامها ، ولا تعافه وتمجّه لخروجه عنها ؛ سواء كان ذلك الحرف المحذوف أصلا أم زائدا . فإن كان ما يبقى بعد ذلك الحرف مثالا تقبله مثلهم أقرّوه عليه . وإن نافرها وخالف ما عليها أوضاع كلمتها نقض عن تلك الصورة ، وأصير إلى احتذاء رسومها . فمن ذلك أن تعتزم تحقير نحو منطلق أو تكسيره ؛ فلا بدّ من حذف نونه . فإذا أنت حذفتها بقي لفظه بعد حذفها : مطلق ، ومثاله مفعل . وهذا وزن ليس في كلامهم ؛ فلا بدّ إذا من نقله إلى أمثلتهم . ويجب حينئذ أن ينقل في التقدير إلى أقرب المثل منه ؛ ليقرب المأخذ ، ويقلّ التعسّف . فينبغي أن تقدّره قد صار بعد حذفه إلى مطلق ؛ لأنه أقرب إلى مطلق من غيره ، ثم حينئذ من بعد تحقّره ، فتقول : مطيلق ، وتكسّره فتقول : مطالق ؛ كما تقول في تحقير مكرم وتكسيره : مكيرم ومكارم . فهذا باب قد استقرّ ووضح ؛ فلتغن به عن إطالة القول بإعادة مثله . وسنذكر العلّة التي لها ومن أجلها وجب عندنا اعتقاد هذا فيه بإذن اللّه . فإن كان حذف ما حذف من الكلمة يبقّى منها بعده مثالا مقبولا ( لم يكن لك بدّ في الاعتزام عليه وإقراره ) على صورته تلك البتّة . وذلك كقولك في تحقير حارث على الترخيم : حريث . فهذا لمّا حذفت ألفه بقي من بعد على حرث ، فلم يعرض له بتغيير ؛ لأنه كنمر ، وسبط وحذر . فمن مسائل هذا الباب أن تحقّر جحنفلا أو تكسّره ؛ فلا بدّ من حذف نونه ، فيبقى بعد : جحفل ، فلا بد من إسكان عينه إلى أن يصير : جحفل . ثم بعد ما تقول : جحيفل وجحافل . وإن شئت لم تغيّر واحتججت بما جاء عنهم من قولهم في عرنتن : عرتن . فهذا وجه . ومنها تحقير سفرجل . فلا بدّ من حذف لامه ،