عثمان بن جني ( ابن جني )

30

الخصائص

ومن ذلك أن تبنى مما عينه واو مثل فعّل فتصحّ العين للادغام ؛ نحو قوّل وقوّم ، فتصحّ العين للتشديد ؛ كما تصحّ للتحريك في نحو قولهم : عوض وحول وطول . فلمّا كان في ادّغامهم الحرف في الحرف ما أريناه من استخفافهم إياه صار تقريبهم الحرف ( من الحرف ) ضربا من التطاول إلى الادغام . وإن لم يصلوا إلى ذلك فقد حاولوه واشرأبّوا نحوه ؛ إلا أنهم مع هذا لا يبلغون بالحرف المقرّب من الآخر أن يصيّروه إلى أن يكون من مخرجه ؛ لئلا يحصلوا من ذلك بين أمرين كلاهما مكروه . أمّا أحدهما فأن يدغموا مع بعد الأصلين ؛ وهذا بعيد . وأمّا الآخر فأن يقرّبوه منه حتّى يجعلوه من مخرجه ثم لا يدغموه ؛ وهذا كأنّه انتكاث وتراجع ؛ لأنه إذا بلغ من قربه إلى أن يصير من مخرجه وجب إدغامه ؛ فإن لم يدغموه حرموه المطلب المروم فيه ؛ ألا ترى أنك إذا قرّبت السين في سويق من القاف بأن تقلبها صادا فإنك لم تخرج السين من مخرجها ، ولا بلغت بها مخرج القاف فيلزم ادّغامها فيها . فأنت إذا قد رمت تقريب الإدغام المستخفّ ، لكنك لم تبلغ الغاية التي توجبه عليك ، وتنوط أسبابه بك . وكذلك إذا قلت في اصتبر : اصطبر ، فأنت قد قرّبت التاء من الصاد بأن قلبتها إلى أختها في الإطباق والاستعلاء ، والطاء مع ذلك من جملة مخرج التاء . وكذلك إذا قلت في مصدر : مزدر ، فأخلصت الصاد زايا . قد قرّبتها من الدال بما في الزاي من الجهر ، ولم تختلجها عن مخرج الصاد . وهذه أيضا صورتك إذا أشممتها رائحة الزاي فقلت : مصدر ، هذا المعنى قصدت ، إلا أنك لم تبلغ بالحرف غاية القلب الذي فعلته مع إخلاصها زايا . فإن كان الحرفان جميعا من مخرج واحد ، فسلكت هذه الطريق فليس إلا أن تقلب أحدهما إلى لفظ الآخر البتّة ، ثم تدغم لا غير . وذلك نحو اطّعن القوم ؛ أبدلت تاء اطتعن طاء البتة ثم ادّغمتها فيها لا غير . وذلك أن الحروف إذا كانت من ( مخرج واحد ضاقت مساحتها أن تدنى بالتقريب منها ؛ لأنها إذا كانت معها من ) مخرجها فهي الغاية في قربها ؛ فإن زدت على ذلك شيئا فإنما هو أن تخلص الحرف