عثمان بن جني ( ابن جني )
26
الخصائص
- نحو أكرمه وأشعره - على أضعف الجائزين وهو الضمّ . قيل : هذا إبعاد في التشبيه . وذلك أنك لم توجب النصب في ( قائما ) من قولك : فيها رجل قائما ، و ( قائما ) هذا متأخّر عن رجل في مكانه في حال الرفع ، وإنما اقتصرت على النصب فيه لمّا لم يجز فيه الرفع أو لم يقو ، فجعلت أضعف الجائزين واجبا ضرورة لا اختيارا ؛ وليس كذلك كرمته أكرمه ؛ لأنه لم ينقض شيء عن موضعه ، ولم يقدّم ولم يؤخّر . ولو قيل : كرمته أكرمه لكان كشتمته أشتمه ، وهزمته أهزمه . وكذلك القول في نحو قولنا : ما جاءني إلا زيدا أحد في إيجاب نصبه ، وقد كان النصب لو تأخر ( زيد ) أضعف الجائزين فيه إذا قلت : ما جاءني أحد إلا زيدا ، الحال فيهما واحدة ، وذلك أنك لمّا لم تجد مع تقديم المستثنى ما تبدله منه عدلت به - للضرورة - إلى النصب الذي كان جائزا فيه متأخّرا . هذا كنصب ( فيها قائما رجل ) البتّة ، والجواب عنهما واحد . وإذا كان الأمر كذلك فقد وجب البحث عن علّة مجىء هذا الباب في الصحيح كله بالضم ؛ نحو أكرمه وأضربه . وعلّته عندي أن هذا موضع معناه الاعتلاء والغلبة ، فدخله بذلك معنى الطبيعة والنحيزة التي تغلب ولا تغلب ، وتلازم ولا تفارق . وتلك الأفعال بابها : فعل يفعل ؛ نحو فقه يفقه إذا أجاد الفقه ، وعلم يعلم إذا أجاد العلم . وروينا عن أحمد ابن يحيى عن الكوفيين : ضربت اليد يده ، على وجه المبالغة . وكذلك نعتقد نحن أيضا في الفعل المبنىّ منه فعل التعجب أنه قد نقل عن فعل وفعل إلى فعل ، حتى صارت له صفة التمكّن والتقدّم ، ثم بنى منه الفعل ؛ فقيل : ما أفعله ؛ نحو ما أشعره ، إنما هو من شعر ، وقد حكاها أيضا أبو زيد . وكذلك ما أقتله وأكفره : هو عندنا من قتل وكفر تقديرا ، وإن لم يظهر في اللفظ استعمالا . فلمّا كان قولهم : كارمنى فكرمته أكرمه وبابه صائرا إلى معنى فعلت أفعل أتاه الضمّ من هناك . فاعرفه . فإن قلت : فهلا لمّا دخله هذا المعنى تمّموا فيه الشبه ، فقالوا : ضربته أضربه