عثمان بن جني ( ابن جني )
250
الخصائص
قيات أو قوات لم تخل من أحد أمرين ، كل واحد منهما غير جائز : أحدهما أن تثبت حكم الياء والواو حرفين ساكنين فتجيء الألف بعد الساكن ، وهذا ممتنع غير جائز . والآخر أن تسقط حكمهما لسكونهما وضعفهما ، فتكون الألف كأنها تالية للكسرة والضمة ، وهذا خطأ بل محال . فإن قلت : فهلا جاز على هذا أن تجمع بين الألفين وتكون الثانية كأنها إنما هي تابعة للفتحة ( قبل الأولى ؛ لأن الفتحة ) ممّا تأتى قبل الألف لا محالة ، وأنت الآن آنفا تحكى عن أبي إسحاق أنه قال : لو مددتها إلى العصر لما كانت إلا ألفا واحدة ؟ قيل : وجه امتناع ذلك أنك لو تكلّفت ما هذه حاله للزمك للجمع بين الساكنين اللذين هما الألفان اللتان نحن في حديثهما أن تمطل الصوت بالأولى تطاولا به إلى اللفظ بالثانية ، ولو تجشّمت ذلك لتناهيت في مدّ الأولى ، فإذا صارت إلى ذلك تمّت ووفت فوقفت بك بين أمرين ، كلاهما ناقض عليك ما أعلقت به يديك : أحدهما : أنها لمّا طالت وتمادت ذهب ضعفها وفقد خفاؤها فلحقت لذلك بالحروف الصحاح ، وبعدت عن شبه الفتحة الصغيرة القصيرة الذي رمته . والآخر : أنها تزيد صوتا على ما كانت عليه ، وقد كانت قبل أن تشبع مطلها أكثر من الفتحة قبلها ؛ أفتشبّها بها من بعد أن صارت للمدّ أضعافها . هذا جور في القسمة ، وإفحاش في الصنعة ، واعتداء على محتمل الطبيعة ( والمنّة ) " 1 " . ولذلك لم يأت عنهم شيء من مقول ومبيع على الجمع بين ساكنيهما وهما مقوول ومبيوع ؛ لأنك إنما تعتقد أن الساكن الأوّل منهما كالحركة ما لم تتناه في مطله وإطالته ( وأمّا ) والجمع بينهما ساكنين حشوا يقتادك إلى تمكين الحرف الأوّل وتوقيته حقه ليؤديك إلى الثاني والنطق به فلا يجوز حينئذ وقد أشبعت الحرف وتماديت فيه أن تشبهه بالحركة ؛ لأن في ذلك إضعافا له بعد أن حكمت بطوله وقوّته ؛ ألا ترى أنك ( إنما ) شبّهت باب عصىّ بباب أدل وأحق لما خفيت ( واو فعول ) بادغامها ، فحينئذ جاز أن تشبهها بضمة أفعل . فأمّا وهي على غاية جملة البيان والتمام فلا . وإذا لم يجز هذا التكلف في الواو والياء وهما أحمل له ، كان مثله في الألف للطفها وقلة احتمالها ما تحتمله الياء والواو أحرى وأحجى .
--> ( 1 ) المنة : القوّة .