عثمان بن جني ( ابن جني )
229
الخصائص
باب في ملاطفة الصنعة وذلك أن ترى العرب قد غيّرت شيئا من كلامها من صورة إلى صورة ، فيجب حينئذ أن تتأتّى لذلك وتلاطفه ، لا أن تخبطه وتتعسّفه . وذلك كقولنا في قولهم في تكسير جرو ودلو أجر وأدل : إن أصله أجرو ، وأدلو ، فقلبوا الواو ياء . وهو - لعمري - كذلك ، إلا أنه يجب عليك أن تلاين الصنعة ولا تعازّها ؛ فتقول : إنهم أبدلوا من ضمّة العين كسرة ، فصار تقديره : أجرو وأدلو . فلما انكسر ما قبل الواو - وهي لام - قلبت ياء ، فصارت أجرى وأدلى ، وإنما وجب أن يرتب هذا العمل هذا الترتيب من قبل أنك لمّا كرهت الواو هنا لما تتعرض له من الكسرة والياء في أدلوى وأدلوىّ لو سمّيت " 1 " رجلا بأدلو ثم أضفت إليه ، فلما ثقل ذلك بدءوا بتغيير الحركة الضعيفة تغييرا عبطا وارتجالا . فلمّا صارت كسرة تطرقوا بذلك إلى قلب الواو ياء تطرقا صناعيّا . ولو بدأت فقلبت الواو ياء بغير آلة القلب من الكسرة قبلها لكنت قد استكرهت الحرف على نفسه تهالكا وتعجرفا ، لا رفقا وتلطفا . ولمّا فعلت ذلك في الضمة كان أسهل منه في ( الواو و ) الحرف ؛ لأن ابتذالك الضعيف أقرب مأخذا من إنحائك على القوىّ . ( فاعرف ذلك ) ( أصلا في هذا الباب ) . وكذلك باب فعول ممّا لامه واو ، كدلو ودلىّ ، وحقو وحقي ( أصله دلوّ وحقوّ ) . فلك في إعلال هذا إلى حقي ودلىّ طريقان . إن شئت شبهت واو فعول المدغمة " 2 " بضمة عين أفعل في أدلو وأحقو فأبدلت ( منها ياء ؛ كما أبدلت ) من تلك الضمة كسرة ، فصارت : حقيو . ثم أبدلت الواو التي هي لام ياء ؛ لوقوع الياء ساكنة قبلها ، فصارت حقي ، ثم أتبعت فقلت : حقي . وهذا أيضا ممّا أبدلت من ضمّة عينه كسرة ، فتنقلب واو فعول بعدها ياء
--> ( 1 ) شرط هذا لأنه جمع فلا ينسب إليه على لفظه إلا إذا كان علما ، وإلا نسب إلى مفرده . ( نجار ) . ( 2 ) يجرى الصرفيون الإعلال في مثل هذا قبل الإدغام : فإن الإدغام يقوى الحرف فيتأبى على الإعلال . ( نجار ) .