عثمان بن جني ( ابن جني )

227

الخصائص

فقلت : أنشدتنى : من بائس ، فقال ( يابس وبائس ) واحد . وأخبرنا أبو بكر محمد ابن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال ( أنشدني ابن الأعرابي ) : وموضع زبن لا أريد مبيته * كأني به من شدّة الروع آنس " 1 " فقال له شيخ من أصحابه : ليس هكذا أنشدتنا ، إنما أنشدتنا : وموضع ضيق . فقال : سبحان اللّه ! تصحبنا منذ كذا وكذا ولا تعلم أن الزبن والضيق واحد ، وقد قال اللّه سبحانه وهو أكرم قيلا : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : 110 ] وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : " نزل القرآن على سبع لغات كلها شاف كاف " " 2 " . وهذا ونحوه - عندنا - هو الذي أدى إلينا أشعارهم وحكاياتهم بألفاظ مختلفة ، على معان متفقة . وكان أحدهم إذا أورد المعنى المقصود بغير لفظه المعهود ، كأنه لم يأت إلا به ، ( ولا عدل ) عنه إلى غيره ؛ إذ الغرض فيهما واحد ، وكل واحد منهما لصاحبه مرافد . وكان أبو علىّ - رحمه اللّه - إذا عبر عن معنى بلفظ ما فلم يفهمه القارئ عليه ، وأعاد ذلك المعنى عينه بلفظ غيره ففهمه ، يقول : هذا إذا رأى ابنه في قميص أحمر عرفه ؛ فإن رآه في قميص كحلىّ لم يعرفه . فأما الحكاية عن الحسن - رضى اللّه عنه - وقد سأله رجل عن مسئلة ، ثم أعاد السؤال فقال له الحسن : لبّكت علىّ أي خلطت ، فتأويله عندنا أنه أفسد المعنى الأوّل بشئ جاء به في القول الثاني . فأمّا أن يكون الحسن تناكر الأمر لاختلاف اللفظين ( مع اتفاق ) المعنيين فمعاذ اللّه ، و ( حاشى أبا سعيد ) " 3 " . ويشبه أن يكون الرجل لمّا أعاد سؤاله بلفظ ثان قدّر أنه بمعنى اللفظ الأوّل ولم يحسن ما فهمه الحسن رضى اللّه عنه ، كالذي يعترف عند القاضي بما يدّعى عليه ، وعنده أنه مقيم

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للمرقش الأكبر في ديوانه ص 574 ، ولسان العرب ( زبن ) ، وتاج العروس ( زبن ) ، وشرح اختيارات المفضل ص 1001 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( زبق ) . ويروى : ( زبق ) مكان ( زبن ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في " فضائل القرآن " ( 4992 ) ، وله غير موضع ، ومسلم بلفظ " أنزل القرآن على سبعة أحرف " . ( 3 ) أبو سعيد كنية الحسن البصرىّ .