عثمان بن جني ( ابن جني )
217
الخصائص
الذي أنت مدّع شياعه وانتشاره . قيل : إنما أحال ذلك على أن المتكلم يريد به الحقيقة ، وهذا مستقيم ؛ إذ الإنسان الواحد لا يشرب جميع ماء البحر . فأمّا إن أراد به بعضه ثم أطلق هناك اللفظ يريد به جميعه فلا محالة من جوازه ؛ ألا ترى إلى ( قول الأسود بن يعفر ) نزلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات يجيء من أطواد " 1 " ( فلم يحصل ) هنا جميعه ؛ لأنه قد يمكن أن يكون بعض مائه مختلجا قبل وصوله إلى أرضهم ( بشرب أو بسقى ) زرع ونحوه . فسيبويه إذا إنما وضع هذه اللفظة في هذا الموضع على أصل ( وضعها في اللغة ) من العموم ، واجتنب المستعمل فيه من الخصوص . ومثل توكيد المجاز فيما مضى قولنا : قام زيد قياما ، وجلس عمرو جلوسا ، وذهب سعيد ذهابا ، ( ونحو ذلك ؛ لأن ) قولنا : قام زيد ونحو ذلك قد قدّمنا الدليل على أنه مجاز . وهو مع ذلك مؤكّد بالمصدر . فهذا توكيد المجاز كما ترى . وكذلك أيضا يكون قوله سبحانه : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 164 ] من هذا الوجه مجازا على ما مضى . ومن التوكيد في المجاز قوله تعالى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النمل : 23 ] ولم تؤت لحية ولا ذكرا . ووجه هذا عندي أن يكون ممّا حذفت صفته ، حتى كأنه قال : وأوتيت من كل شيء تؤتاه المرأة الملكة ؛ ألا ترى ( أنها لو ) أوتيت لحية وذكرا لم تكن امرأة أصلا ، ولما قيل فيها : أوتيت ، ولقيل أوتى . ومثله قوله تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الزمر : 62 ] وهو سبحانه شيء . ( وهذا ) مما يستثنيه العقل ببديهته ، ولا يحوج إلى التشاغل باستثنائه ؛ ألا ترى أن الشئ كائنا ما كان لا يخلق نفسه ، كما أن المرأة لا تؤتى لحية ولا ذكرا . فأما قوله سبحانه : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] فحقيقة لا مجاز .
--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو للأسود بن يعفر في ديوانه ص 27 ، ولسان العرب ( نقر ) ، وتاج العروس ( نقر ) ، وشرح اختيارات المفضل ص 970 ، والحماسة البصرية 2 / 412 . الأطواد : الجبال .