عثمان بن جني ( ابن جني )
208
الخصائص
باب في فرق بين الحقيقة والمجاز الحقيقة : ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة . والمجاز : ما كان بضدّ ذلك . وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة ، وهي : الاتّساع ، والتوكيد ، والتشبيه . فإن عدم هذه الأوصاف كانت الحقيقة ألبتّة . فمن ذلك " 1 " قول النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم في الفرس : هو بحر . فالمعانى الثلاثة موجودة فيه . أمّا الاتساع فلأنه زاد في أسماء الفرس التي هي فرس وطرف وجواد ونحوها البحر ، حتى إنه إن احتيج إليه في شعر أو سجع أو اتساع استعمل استعمال بقيّة تلك الأسماء ؛ لكن لا يفضى إلى ذلك إلا بقرينة تسقط الشبهة . وذلك كأن يقول الشاعر : علوت مطا جوادك يوم يوم * وقد ثمد الجياد فكان بحرا " 2 " وكأن يقول الساجع : فرسك هذا إذا سما بغرّته كان فجرا ، وإذا جرى إلى غايته كان بحرا ، ونحو ذلك . ولو عرى الكلام من دليل يوضح الحال لم يقع عليه بحر ؛ لما فيه من التعجرف في المقال من غير إيضاح ولا بيان . ألا ترى أن لو قال رأيت بحرا وهو يريد الفرس لم يعلم بذلك غرضه ، فلم يجز قوله ؛ لأنه إلباس ، وإلغاز على الناس . وأما التشبيه فلأن جريه يجرى في الكثرة مجرى مائه . وأما التوكيد فلأنه شبّه العرض بالجوهر ، وهو أثبت في النفوس منه ، والشبه في العرض منتفية عنه ؛ ألا ترى أن من الناس من دفع الأعراض ، وليس أحد دفع الجواهر .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد ، ( 2820 ) ، وفي غير موضع ، ومسلم ( ح 2307 ) . ( 2 ) البيت من الوافر ، وهو بلا نسبة في تاج العروس ( بحر ) . المطا : الظهر . ثمد الجياد : أي أعيين من قولهم : ماء مثمود : كثر عليه الناس حتى فنى ونفد إلا أقله .