عثمان بن جني ( ابن جني )
174
الخصائص
" يوم " بقوله " لقادر " لئلّا يصغر المعنى ؛ لأنّ اللّه تعالى قادر يوم تبلى السرائر وغيره في كل وقت وعلى كل حال على رجع البشر وغيرهم . وكذلك قول الآخر . ولا تحسبنّ القتل محضا شربته * نزارا ولا أنّ النفوس استقرّت " 1 " ومعناه : لا تحسبنّ قتلك نزارا محضا شربته ؛ إلا أنه وإن كان هذا معناه فإن إعرابه على غيره وسواه ؛ ألا ترى أنك إن حملته على هذا جعلت ( نزارا ) في صلة المصدر الذي هو ( القتل ) وقد فصلت بينهما بالمفعول الثاني الذي هو ( محضا ) ، وأنت لا تقول : حسبت ضربك جميلا زيدا وأنت تقدّره على : حسبت ضربك زيدا جميلا ؛ لما فيه من الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبىّ . فلا بدّ إذا من أن تضمر لنزار ناصبا يتناوله ، يدلّ عليه قول : ( القتل ) أي قتلت نزارا . وإذا جاز أن يقوم الحال مقام اللفظ بالفعل كان اللفظ بأن يقوم مقام اللفظ أولى وأجدر . وذاكرت المتنبئ شاعرنا نحوا من هذا ، وطالبته به في شيء من شعره ، فقال : لا أدرى ما هو ، إلا أنّ الشاعر قد قال : * لسنا كمن حلّت إياد دارها * البيت . فعجبت من ذكائه وحضوره مع قوة المطالبة له حتى أورد ما هو في معنى البيت الذي تعقّبته عليه من شعره . واستكثرت ذلك منه . والبيت قوله : ووفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه * بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وذكرنا ذلك لاتصاله بما نحن عليه ؛ فإن الأمر يذكر للأمر . وأنشدنا أبو علىّ للكميت : كذلك تلك وكالناظرات * صواحبها ما يرى المسحل " 2 " أي وكالناظرات ما يرى المسحل صواحبها . فإن حملته على هذا ركبت قبح الفصل . فلا بدّ إذا أن يكون " ما يرى المسحل " محمولا على مضمر يدلّ عليه قوله
--> ( 1 ) المحض : اللبن الخالص لا رغوة فيه . نزار : أبو قبيلة ، وهو نزار بن معدّ بن عدنان . اللسان ( نزر ) . ( 2 ) المسحل : جانب اللحية ، وهما مسحلان .