عثمان بن جني ( ابن جني )
170
الخصائص
فليست خراسان التي كان خالد * بها أسد إذ كان سيفا أميرها فحديثه طريف . وذلك أنه - فيما ذكر - يمدح خالد بن الوليد ويهجو أسدا ، وكان أسد وليها بعد خالد ( قالوا فكأنه ) قال : وليست خراسان بالبلدة التي كانت خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها ( ففي ) كان على هذا ضمير الشأن والحديث ، والجملة بعدها التي هي ( أسد أميرها ) خبر عنها . ففي هذا التنزيل أشياء : منها الفصل بين اسم كان الأولى وهو خالد ، وبين خبرها الذي هو ( سيفا ) بقوله ( بها أسد إذ كان ) فهذا واحد . وثان : أنه قدّم بعض ما ( إذ ) مضافة إليه وهو أسد عليها . وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح والفساد ما لا خفاء به ولا ارتياب . وفيه أيضا أن ( أسد ) أحد جزأى الجملة المفسّرة للضمير على شريطة التفسير أعنى ما في كان منه . وهذا الضمير لا يكون تفسيره إلا من بعده . ولو تقدّم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير ، ولما سمّاه الكوفيون الضمير المجهول . فإن قلت : فقد قال اللّه تعالى : فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنبياء : 97 ] فقدّم ( إذا ) وهي منصوبة ب " شاخصة " ، وإنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل ، فكأنه على هذا قال : فإذا هي شاخصة هي أبصار الذين كفروا و ( هي ضمير القصّة ، وقد ترى كيف قدّرت تقديم أحد الجزأين اللذين يفسّرانها عليها ، فكما جاز هذا ( فكذلك يجوز ) أيضا أن يقدّم ( أسد ) على الضمير في ( كان ) وإن كان أسد أحد جزأى تفسير هذا الضمير . قيل : الفرق أنّ الآية إنما تقديم فيها الظرف المتعلّق عندك بأحد جزأى تفسير الضمير وهو شاخصة ، والظرف مما يتّسع الأمر فيه ولا تضيق مساحة التعذر له بأن تعلّقه بمحذوف يدلّ عليه شاخصة أو شاخصة أبصار الذين كفروا ؛ كما تقول في أشياء كثيرة ؛ نحو قوله تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ " 1 " [ المؤمنون : 101 ] ، وقوله : هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي
--> ( 1 ) وهو يريد أن ( إذا ) في الآية نصبها ما في الجواب ( فلا أنساب بينهم ) وقد تقرر أن ( لا ) لها التصدّر فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها . والعذر في ذلك أن ( إذا ) ظرف يتوسع في أمره ( نجار ) .