عثمان بن جني ( ابن جني )
140
الخصائص
باب في شجاعة العربية اعلم أن معظم ذلك إنما هو الحذف ، والزيادة ، والتقديم ، والتأخير ، والحمل على المعنى ، والتحريف . الحذف قد حذفت العرب الجملة ، والمفرد ، والحرف ، والحركة . وليس شيء من ذلك إلا عن دليل عليه . وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب في معرفته . فأمّا الجملة فنحو قولهم في القسم : واللّه لا فعلت ، وتاللّه لقد فعلت . وأصله : أقسم باللّه ، فحذف الفعل والفاعل ، وبقيت الحال - من الجارّ والجواب - دليلا على الجملة المحذوفة . وكذلك الأفعال في الأمر والنهى والتحضيض ؛ نحو قولك : زيدا ، إذا أردت : اضرب زيدا أو نحوه . ومنه إيّاك إذا حذّرته ؛ أي احفظ نفسك ولا تضعها ، والطريق الطريق ، وهلا خيرا من ذلك . وقد حذفت الجملة من الخبر ؛ نحو قولك : القرطاس واللّه ؛ أي أصاب القرطاس . وخير مقدم ؛ أي قدمت خير مقدم . وكذلك الشرط في نحو قوله : الناس مجزيّون بأفعالهم إن خيرا فخيرا وإن شرّا فشرّا ؛ أي إن فعل المرء خيرا جزى خيرا ، وإن فعل شرّا جزى شرّا . ومنه قول التغلبىّ : * إذا ما الماء خالطها سخينا " 1 " * ( أي فشربنا سخينا ) ، وعليه قول اللّه سبحانه : فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ
--> ( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لعمرو بن كلثوم في ديوانه ص 64 ، ولسان العرب ( كلح ) ، ( حصص ) ، ( سخن ) ، وكتاب العين 1 / 71 ، والمخصص 3 / 2 ، 15 / 60 ، والأغانى 11 / 45 ، وجمهرة أشعار العرب 1 / 389 ، والخزانة 3 / 178 ، وشرح ديوان امرئ القيس ص 320 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى 1 / 188 ، وشرح القصائد السبع ص 372 ، وشرح القصائد العشر ص 321 ، وشرح المعلقات السبع ص 165 ، وشرح المعلقات العشر ص 88 ، وشعراء النصرانية ص 455 ، وللتغلبى في تاج العروس ( طلح ) ، ومقاييس اللغة 2 / 13 ، 3 / 168 ، وديوان الأدب 4 / 92 ، وبلا نسبة في أساس البلاغة ( حصص ) .