عثمان بن جني ( ابن جني )

11

الخصائص

في أن المراد به معنى الكثرة . وذلك أمدح ؛ لأنه إذا قرى الأضياف وهم قليل بمراجل الحىّ أجمع ، فما ظنك به لو نزل به الضيفان الكثيرون ! فإن قيل : فلم أنّث المصدر أصلا ؟ وما الذي سوّغ التأنيث فيه مع معنى العموم والجنس ، وكلاهما إلى التذكير ، حتى احتجت إلى الاعتذار له بقولك : إنه أصل ، وإن الأصول تحمل ما لا تحمله الفروع ؟ . قيل : علّة جواز تأنيث المصدر مع ما ذكرته من وجوب تذكيره أنّ المصادر أجناس للمعاني ، ( كما غيرها ) أجناس للأعيان ؛ نحو رجل ، وفرس ، وغلام ، ودار ، وبستان . فكما أن أسماء أجناس الأعيان قد تأتى مؤنّثة الألفاظ ، ولا حقيقة تأنيث في معناها ؛ نحو غرفة ، ومشرقة ، وعلّية ، ومروحة ، ومقرمة " 1 " ؛ كذلك جاءت أيضا أجناس المعاني مؤنّثا بعضها لفظا لا معنى . وذلك نحو المحمدة ، والموجدة ، والرشاقة ، والجباسة ، والضئولة ، والجهومة . نعم ، وإذا جاز تأنيث المصدر وهو على مصدريّته غير موصوف به ، لم يكن تأنيثه وجمعه ، وقد ورد وصفا على المحلّ الذي من عادته أن يفرق فيه بين مذكّره ومؤنثه ، وواحده وجماعته ، قبيحا ولا مستكرها ؛ أعنى ضيفة وخصمة ، وأضيافا وخصوما ؛ وإن كان التذكير والإفراد أقوى في اللغة ، وأعلى في الصنعة ؛ قال اللّه تعالى : وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ ص : 21 ] . وإنما كان التذكير والإفراد أقوى من قبل أنك لمّا وصفت بالمصدر أردت المبالغة بذلك ، فكان من تمام المعنى وكماله أن تؤكّد ذلك بترك التأنيث والجمع ؛ كما يجب للمصدر في أوّل أحواله ؛ ألا ترى أنك إذا أنّثت وجمعت سلكت به مذهب الصفة الحقيقيّة التي لا معنى للمبالغة فيها ، نحو قائمة ، ومنطلقة ، وضاربات ، ومكرمات .

--> - وخزانة الأدب 8 / 106 ، 107 ، 110 ، 116 ، وشرح الأشمونى 3 / 671 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 521 ، وشرح المفصل 5 / 10 ، والكتاب 3 / 578 ، ولسان العرب ( جدا ) ، والمحتسب 1 / 187 ، والمقاصد النحوية 4 / 527 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 1 / 135 ، والمقتضب 2 / 188 . وصدر البيت : * لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى * ( 1 ) مقرمة : هي ستر رقيق .