عثمان بن جني ( ابن جني )

109

الخصائص

باب الساكن والمتحرك أمّا إمام ذلك فإن أوّل الكلمة لا يكون إلا متحرّكا ، وينبغي لآخرها أن يكون ساكنا . فأمّا الإشمام " 1 " فإنه للعين دون الأذن . لكن روم " 2 " الحركة يكاد الحرف يكون به متحركا ؛ ألا تراك تفصل به بين المذكّر والمؤنّث في قولك في الوقف : أنت وأنت . فلولا أن هناك صوتا لما وجدت فصلا . فإن قلت : فقد نجد من الحروف ما يتبعه في الوقف صوت ، وهو مع ذلك ساكن . وهو الفاء والثاء والسين والصاد ونحو ذلك ؛ تقول في الوقف : أف ، اث ، اس ، اص . قيل : هذا القدر من الصوت إنما هو متمم للحرف وموفّ له في الوقف . فإذا وصلت ذهب أو كاد . وإنما لحقه في الوقف لأن الوقف يضعف الحرف ؛ ألا تراك تحتاج إلى بيانه فيه بالهاء ؛ نحو وا غلاماه ، ووا زيداه ، ووا غلامهوه ، ووا غلامهيه . وذلك أنك لمّا أردت تمكين الصوت وتوفيته ليمتدّ ويقوى في السمع وكان الوقف يضعف الحرف ألحقت الهاء ليقع الحرف قبلها حشوا ، فيبين ولا يخفى . ومع ذلك فإن هذا الصوت اللاحق للفاء والسين ونحوهما إنما هو بمنزلة الإطباق في الطاء ؛ والتكرير في الراء ، والتفشّى في الشين ، وقوّة الاعتماد الذي في اللام . فكما أنّ سواكن هذه الأحرف إنما تكال في ميزان العروض الذي هو عيار الحس ( وحاكم القسمة والوضع ) بما تكال به الحروف السواكن غيرها ، فكذلك هي أيضا سواكن . بل إذا كان الراء - لما فيها من التكرير - تجرى مجرى الحرفين في الإمالة ، ثم مع ذلك لا تعدّ في وزن الشعر إلا حرفا واحدا ، كانت هذه الأحرف التي إنما فيها تمام وتوفية لهذا أحجى بأن تعدّ حرفا لا غير .

--> ( 1 ) الإشمام : ضم الشفتين بعد تسكين الحرف الأخير في الوقف على المضموم . ( 2 ) روم الحركة : الإشارة للحركة بصوت خفىّ .