عثمان بن جني ( ابن جني )

104

الخصائص

باب محل ( الحركات من الحروف ) معها أم قبلها أم بعدها أما مذهب سيبويه فإن الحركة تحدث بعد الحرف . وقال غيره : معه وذهب غيرهما إلى أنها تحدث قبله . قال أبو علىّ : وسبب هذا الخلاف لطف الأمر وغموض الحال . فإذا كان هذا أمرا يعرض للمحسوس الذي إليه تتحاكم النفوس فحسبك به لطفا ، وبالتوقف فيه لبسا . فممّا يشهد لسيبويه بأن الحركة حادثة بعد الحرف وجودنا إياها فاصلة بين المثلين مانعة من إدغام الأول في الآخر ؛ نحو الملل والضفف " 1 " والمشش " 2 " ؛ كما تفصل الألف بعدها بينهما ؛ نحو الملال والضفاف والمشاش . وهذا مفهوم . وكذلك شددت ومددت ، فلن تخلو حركة الأول من أن تكون قبله ، أو معه ، أو بعده . فلو كانت في الرتبة قبله لما حجزت عن الإدغام ؛ ألا ترى أن الحرف المحرّك بها كان يكون على ذلك بعدها حاجزا بينها وبين ما بعده من الحرف الآخر . ونحو من ذلك قولهم : ميزان وميعاد ؛ فقلب الواو ياء يدلّ على أن الكسرة لم يحدث قبل الميم ؛ لأنها لو كانت حادثة قبلها لم تل الواو ، فكان يجب أن يقال : موزان وموعاد . وذلك أنك إنما تقلب الواو ياء للكسرة التي تجاورها من قبلها ، فإذا كان بينها وبينها حرف حاجز لم تلها ، وإذا لم تلها لم يجب أن نقلبها للحرف الحاجز بينهما . وأيضا فلو كانت قبل حرفها لبطل الإدغام في الكلام ؛ لأن حركة الثاني كانت تكون قبله حاجزة بين المثلين . وهذا واضح . فإذا بطل أن تكون الحركة حادثة قبل الحرف المتحرك بها من حيث أرينا ، وعلى ما أوضحنا وشرحنا ، بقي سوى مذهب سيبويه أن يظنّ بها أنها تحدث مع الحرف نفسه لا قبله ولا بعده . وإذا فسد هذا لم يبق إلا ما ذهب إليه سيبويه .

--> ( 1 ) الضفف : من معانيه كثرة العيال . ( 2 ) المشش : من معانيه بياض يعترى الإبل في عيونها .