عثمان بن جني ( ابن جني )

91

الخصائص

باب القول على البناء وهو لزوم آخر الكلمة ضربا واحدا : من السكون أو الحركة ، لا لشيء أحدث ذلك من العوامل . وكأنهم إنما سمّوه بناء لأنه لمّا لزم ضربا واحدا فلم يتغير تغير الإعراب سمى بناء ، من حيث كان البناء لازما موضعه ، لا يزول من مكان إلى غيره ؛ وليس كذلك سائر الآلات المنقولة المتبذلة ، كالخيمة والمظلة ، والفسطاط والسرادق ، ونحو ذلك . وعلى أنه قد أوقع على هذا الضرب من المستعملات المزالة من مكان إلى مكان لفظ البناء ؛ تشبيها لذلك - من حيث كان مسكونا ، وحاجزا ، ومظلّا - بالبناء من الآجرّ والطين والجصّ ؛ ألا ترى إلى قول أبى مارد الشيباني : لو وصل الغيث أبنين امرأ * كانت له قبّة سحق بجاد " 1 " أي لو اتصل الغيث لأكلأت الأرض وأعشبت ، فركب الناس خيلهم للغارات ، فأبدلت الخيل الغنىّ الذي كانت له قبة من قبته سحق بجاد ، فبناه بيتا له ، بعد ما كان يبنى لنفسه قبة . فنسب ذلك البناء إلى الخيل ، لمّا كانت هي الحاملة للغزاة الذين أغاروا على الملوك ، فأبدلوهم من قبابهم أكسية أخلاقا ، فضربوها لهم أخبية تظلّهم . ونظير معنى هذا البيت ما أخبرنا به أبو بكر محمد " 2 " بن الحسن عن أحمد " 3 " بن يحيى من قول الشاعر :

--> ( 1 ) البيت من مجزوء البسيط ، وهو لأبى مارد الشيباني في تاج العروس ( بنى ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( خضض ) ، ( بنى ) ، والمخصص 5 / 122 ، وتهذيب اللغة 15 / 493 ، وأساس البلاغة ص 31 ( بنى ) ، والحيوان 5 / 461 . البجاد : الكساء المخطط ، والسحق : البالي . والبيت في تنبيه البكري على أوهام القالى 19 وفي اللآلي له 123 / 1 والذي في اللآلي : " أبنينا " بإسناد هذا الفعل إلى الشاعر وقومه . ( 2 ) هو المعروف بابن مقسم ، وهو أبو بكر العطار المقرئ النحوي ، كان من أعرف الناس بالقراءات ونحو الكوفيين مات سنة 355 ، وهو راوية لثعلب . ( 3 ) هو أبو العباس ثعلب من أئمة الكوفيين مات 291 .