عثمان بن جني ( ابن جني )
82
الخصائص
ألا تراه أن لو كان ساكنا لزمه أن يدخل عليه من أوّله همزة الوصل ، ليجد سبيلا إلى النطق به ، نحو " أب ، اص ، اق " وكذلك إن كان متحركا فأراد الابتداء به والوقوف عليه قال في النطق بالباء من بكر : به ، وفي الصاد من صلة : صه ، وفي القاف من قدرة : قه ؛ فقد علمت بذلك أن لا سبيل إلى النطق بالحرف الواحد مجرّدا من غيره ، ساكنا كان ، أو متحركا . فالكلام إذا من بيت كثيّر إنما يعنى به المفيد من هذه الألفاظ ، القائم برأسه المتجاوز لما لا يفيد ولا يقوم برأسه من جنسه ؛ ألا ترى إلى قول الآخر : ولمّا قضينا من منى كل حاجة * ومسّح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطىّ الأباطح " 1 " فقوله بأطراف الأحاديث يعلم منه أنه لا يكون إلا جملا كثيرة " 2 " ، فضلا عن الجملة الواحدة ، فإن قلت : فقد قال الشنفرى : كأنّ لها في الأرض نسيا تقصّه * على أمّها وإن تخاطبك تبلّت " 3 "
--> ( 1 ) البيتان من الطويل ، وهما لكثير عزة في ملحق ديوانه ص 525 ، وزهر الآداب ص 349 ، وللمضرب عقبة بن كعب بن زهير في الحماسة البصرية 2 / 103 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( طرف ) ، وأمالي المرتضى 2 / 359 ، والشعر والشعراء ص 72 ، ومعجم البلدان 5 / 198 ( منى ) ، وأساس البلاغة ص 227 ( سيل ) ، وتاج العروس ( طرف ) . ( 2 ) قلت : وهذه الجمل الكثيرة التي أبدع الشاعر في التعبير عرضها في هذه اللفظة قد أشار إليها عبد القاهر في دلائل الإعجاز حيث أشار إلى أنه شمل بذلك ما يكون بين أولئك الحجيج من ذكريات تلك المشاعر والمناسك ، وتنسم رائحة الديار والأوطان ، والتشوق إلى رؤيا الأهل والخلان ، وما يكون من الترحاب والتهاني وغير ذلك مما تستدعيه تلك الحال . فدلّ باللفظ الموجز على المعاني الكثيرة البديعة ، وهذا من بلاغة الإيجاز . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو للشنفرى في ديوانه ص 33 ، ولسان العرب ( بلت ) ، ( نسا ) ، وجمهرة اللغة ص 256 ، ومقاييس اللغة 1 / 295 ، 5 / 422 ، ومجمل اللغة 1 / 289 ، والمخصص 14 / 27 ، وتهذيب اللغة 13 / 81 ، 14 / 293 ، 294 ، وأدب الكاتب ص 493 ، والأغانى 21 / 210 ، وديوان المفضّليّات ص 201 ، وشرح اختيارات المفضل 1 / 517 ، وشرح أدب الكاتب ص 338 ، والكامل ص 1018 ، وتاج العروس ( بلت ) ، ( نسي ) ، وبلا نسبة في ديوان الأدب 2 / 146 . النسى : الشئ المنسى الذي لا يذكر ، وتقصه : تتبع أثره لتجده ، وعلى أمّها ( بفتح الهمزة )