عثمان بن جني ( ابن جني )

57

الخصائص

بكتابنا هذا علمت بذاك أنا نبنا عنه فيه ، وكفيناه كلفة التعب به ، وكافأناه على لطيف ما أولاناه من علومه المسوقة إلينا ، المفيضة ماء البشر والبشاشة علينا ، حتى دعا ذلك أقواما نزرت " 1 " من معرفة حقائق هذا العلم حظوظهم ، وتأخّرت عن إدراكه أقدامهم ، إلى الطعن عليه ، والقدح في احتجاجاته وعلله . وسترى ذلك مشروحا في الفصول بإذن اللّه تعالى . ثم إن بعض من يعتادنى ، ويلمّ لقراءة هذا العلم بي ، ممن آنس بصحبته لي ، وأرتضى حال أخذه عنى ، سأل فأطال المسألة ، وأكثر الحفاوة والملاينة ، أن أمضى الرأي في إنشاء هذا الكتاب ، وأوليه طرفا من العناية والانصباب . فجمعت بين ما أعتقده : من وجوب ذلك علىّ ، إلى " 2 " ما أوثره من إجابة هذا السائل لي . فبدأت به ، ووضعت يدي فيه ، واستعنت اللّه على عمله ، واستمددته سبحانه من إرشاده وتوفيقه وهو - عزّ اسمه - مؤتى ذاك بقدرته ، وطوله ومشيئته .

--> - واعلم أنه حيث أطلق " أبو الحسن " في كتابنا هذا - فالمراد به الأخفش الأوسط دون غيره من الأخافش ، وهذه الكنية حيث أطلقت في كتب النحاة : فلا يكاد يراد منها إلا أبو الحسن سعيد ابن مسعدة ، الأخفش الأوسط ، ويزعم ابن الطيب الفاسي في شرحه على " اقتراح السيوطي " : أن هذه الكنية عند النحاة خاصة بالأخفش الأصغر علي بن سليمان ، وهو وهم ظاهر منه . ولا يفوتك أن تعلم أن المجد الفيروزآبادي ذكر في " قاموسه " أن الأخافش في النحاة ثلاثة " ، وقد بان لك من كلام السيوطي في المزهر أنهم أحد عشر ، فلعل صاحب القاموس يريد بالأخافش من النحاة المشهورين من المتقدمين ، وهم الأكبر والأوسط والأصغر ( انظر : المزهر : ( 2 / 453 ، 454 ) ، والقاموس ( خفش ) . ( 1 ) نزرت : أي قلّت وندرت . ( 2 ) الواجب في العربية أن يقال : جمعت بين كذا وكذا ، أو : جمعت كذا إلى كذا ، فقول ابن جنى : " فجمعت بين ما أعتقده . . . إلى ما أوثره . . . " توهّم أنه قال أولا : " فجمعت ما أعتقده " بدون ذكر ل " بين " ؛ فقال : " إلى ما أوثره " ، وإجراء الكلام على التوهم باب في النحو واللغة مطروق ، وسبيل فيه مهيع . وقد علّق الأستاذ محمد على النجار - رحمه اللّه - على هذا الموضع ، فقال : ( الواجب في العربية أن يقال : " وما . . . إلخ " ، ولكنه راعى في الجمع معنى الضم ) ا ه كلامه ، لكن هذا الجواب لا ينهض ؛ لأن معنى الضم مراد من " الجمع " اعتبار ؛ فلو أنك وضعت : " فضممت " مكان قول ابن جنى " فجمعت " ، لما استقامت معك العبارة ، ولا سلست لك ، اللهم إلا على ما ذكرنا لك من التوهّم والحسبان ، فاعلم ذلك وقس عليه تخريج نظائره مما تلفيه من عبارات ابن جنى في هذا الكتاب وغيره .