عثمان بن جني ( ابن جني )

50

الخصائص

في مجراها . ومن ذلك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [ الفتح : 10 ] . فالملاحظ في هذه الآية أنها هي الآية الوحيدة في القرآن التي جاء ضمير الغائب الموصول فيها مضموما ؛ لأن القاعدة الشائعة في مجيئه في القرآن هي الكسر فيقال ( عليه ) بالكسر لا بالضم ؛ وذلك كما في قوله تعالى : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [ الأحزاب : 37 ] . وكما في قوله تعالى : فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [ يونس : 123 ] . ومن ثم يمثل الضم في هذه الكلمة عدولا عن القاعدة الصوتية القرآنية ، فيا ترى ما سر هذا العدول ؟ إذا تأملنا سياق الآية وجدناها تتحدث عن مبايعة المؤمنين لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وتعظيم اللّه تعالى تلك البيعة ووصفها بأنها مبايعة له هو سبحانه ، وإذا كانت البيعة للّه رب العالمين فإن حقها التفخيم والتغليظ والتشديد والتوثيق ، ولذا جاء الضمير في ( عليه ) مضموما إشعارا بذلك التفخيم ، وذلك ما لا يوحى به مجىء الضمير على أصل القاعدة مكسورا في هذا السياق ، وأمر آخر يكشف عن القيمة الفنية لهذا العدول الصوتي ، وهو أن حركة الحرف السابق على لفظ الجلالة تؤثر فيه بالتفخيم والترقيق حسب القاعدة الصوتية لنطق هذا اللفظ في القرآن الكريم ؛ فإذا جاءت الهاء في ( عليه ) مكسورة كانت اللام من لفظ الجلالة مرققة ، أما حيث جاءت الهاء مضمومة فإن اللام من لفظ الجلالة تنطق مفخما فيتناسب تفخيم لفظ الجلالة مع ما يقتضيه السياق من تعظيم المعاهد ، وتفخيم شأنه ، والتحذير من نكث العهد معه . ومن مظاهر العدول الصوتي في القرآن الكريم كذلك ، ذلك العدول بفك الإدغام في لفظة ( يحببكم ) في قوله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ آل عمران : 31 ] فالقاعدة الصوتية هنا هي الإدغام كما في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [ المائدة : 54 ] .