عثمان بن جني ( ابن جني )

482

الخصائص

أي المتلزق المتلجّن ، وينبغي أن يكونوا إنما ألزموا هذا الاسم التحقير لاستصغار معناه ما دام في تراب معدنه . ويشهد عندك بهذا المعنى قولهم في مراسله ( الذهب ) وذلك لأنه ما دام كذلك غير مصفّى فهو كالذاهب ؛ لأن ما فيه من التراب كالمستهلك له ، أو لأنه لمّا قلّ في الدنيا فلم يوجد إلا عزيزا صار كأنه مفقود ذاهب ؛ ألا ترى أن الشئ إذا قلّ قارب الانتفاء . وعلى ذلك قالت العرب : قلّ رجل يقول ذلك إلا زيد بالرفع ؛ لأنهم أجروه مجرى ما يقول ذاك أحد إلا زيد . وعلى نحو من هذا قالوا : قلّما يقوم زيد ؛ فكفّوا ( قل ) ب ( ما ) عن اقتضائها الفاعل ، وجاز عندهم إخلاء الفعل من الفاعل لما دخله من مشابهة حرف النفي ؛ كما بقّوا المبتدأ بلا خبر في نحو هذا من قولهم : أقلّ امرأتين تقولان ذلك ، لمّا ضارع المبتدأ حرف النفي . أفلا ترى إلى أنسهم باستعمال القلّة مقارنة للانتفاء . فكذلك لمّا قلّ هذا الجوهر في الدنيا أخذوا له اسما من الذهاب الذي هو الهلاك . ولأجل هذا أيضا سمّوه ( تبرا ) لأنه ( فعل ) من التبار . ولا يقال له ( تبر ) حتى يكون في تراب معدنه ، أو مكسورا . ولهذا قالوا للجام من الفضّة ( الغرب ) ، وهو ( فعل ) من الشئ الغريب ؛ وذلك أنه ليس في العادة والعرف استعمال الآنية من الفضّة ، فلمّا استعمل ذلك في بعض الأحوال كان عزيزا غريبا . هذا قول أبي إسحاق . وإن شئت جذبته إلى ما كنّا عليه فقلت : إنّ هذا الجوهر غريب من بين الجواهر لنفاسته وشرفه ؛ ألا تراهم إذا أثنوا على إنسان قالوا : هو وحيد في وقته ، وغريب في زمانه ، ومنقطع النظير ، ونسيج وحده . ومنه قول الطائىّ الكبير : غرّبته العلا على كثرة النا * س فأضحى في الأقربين جنيبا فليطل عمره فلو مات في مر * ومقيما بها لمات غريبا " 1 " وقول شاعرنا : أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني * ولا أعاتبه صفحا وإهوانا

--> ( 1 ) جنيبا : أي غريبا . والبيتان من قصيدة يمدح بها أبا سعيد محمد بن يوسف الثغرى . وهي في الديوان . ( نجار ) .