عثمان بن جني ( ابن جني )
424
الخصائص
باب في تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية ولنبدأ من ذلك بذكر الثلاثيّ منفردا بنفسه ، ثم مداخلا لما فوقه . اعلم أن الثلاثي على ضربين : أحدهما ما يصفو ذوقه ، ويسقط عنك التشكّك في حروف أصله ؛ كضرب ، وقتل ، وما تصرّف منهما . فهذا ما لا يرتاب به في جميع تصرفه ؛ نحو ضارب ، ويضرب ، ومضروب ، وقاتل ، وقتال ، واقتتل القوم ، واقتل ، ونحو ذلك . فما كان هكذا مجرّدا واضح الحال من الأصول ، فإنه يحمى نفسه ، وينفى الظنّة عنه . والآخر أن تجد الثلاثيّ على أصلين متقاربين والمعنى واحد ، فههنا يتداخلان ، ويوهم كل واحد منهما كثيرا من الناس أنه من أصل صاحبه ، وهو في الحقيقة من أصل غيره ؛ وذلك كقولهم : شيء رخو ورخودّ " 1 " . فهما - كما ترى - شديدا التداخل لفظا ، وكذلك هما معنى . وإنما تركيب ( رخو ) من ر خ و ، وتركيب ( رخود ) من ر خ د ، وواو ( رخودّ ) زائدة ، وهو فعولّ كعلودّ " 2 " ، وعسودّ " 3 " ، والفاء والعين من ( رخو ) و ( رخودّ ) متفقتان ، لكن لاماهما مختلفتان . فلو قال لك قائل : كيف تحقّر ( رخودّا ) على حذف الزيادة ، لقلت : رخيد ، بحذف الواو وإحدى الدالين . ولو قال لك : كيف تبنى من رخو مثل جعفر ، لقلت ( رخوى ) ومن ( رخودّ ) : رخدد ؛ أفلا ترى إلى ازدحام اللفظين مع تماسّ المعنيين ؛ وذلك أن الرخو الضعيف ، والرخودّ المتثنىّ ، والتثني عائد إلى معنى الضعف ، فلما كانا كذلك أوقعا الشكّ لمن ضعف نظره ، وقلّ من هذا الأمر ذات يده . ومن ذلك قولهم : رجل ضيّاط ، وضيطار " 4 " . فقد ترى تشابه الحروف ، والمعنى
--> ( 1 ) الرخودّ اللين . وهو من الرجال : اللين العظام الرخوها . ( 2 ) رجل علودّ : غليظ الرقبة . ( 3 ) رجل عسودّ : قوى شديد . ( 4 ) الضياط : العظيم الجنبين ، والضيطار يقال لهذا ، وللئيم .