عثمان بن جني ( ابن جني )

421

الخصائص

ولفظها . وذلك نحو قولهم في الخبر : أخوت عشرة ، وأبوت عشرة ، وأنشدنا أبو علي عن الرياشىّ : وبشرة يأبونا كأنّ خباءنا * جناح سماني في السماء تطير " 1 " وقالوا أيضا : يديت " 2 " إليه يدا وأيديت ، ودميت تدمى دمى ، وغدوت عليه ، وفهت بالشئ وتفوّهت به . فقد استعملت الأفعال من هذه الكلم ، كما استعملت فيما أوردته . قيل : وهذا أيضا ساقط عنا ؛ وذلك أنا إنما قلنا : إن هذه المثل من الأفعال تجرى مجرى المثال الواحد ؛ لقيام بعضها قيام بعض ، واشتراكها في اللفظ . وليس كذلك أب وأخ ونحوهما ؛ ألا ترى أنّ أب ليس بمثال من أمثلة الفعل ولا باسم فاعل ، ولا مصدر ، ولا مفعول ، فيكون رجوع المحذوف منه في أبوت كأنه موجود في أب ، وإنما أب من أبوت كمدقّ ومكحلة من دققت وكحلت . وكذلك القول في أخ ، ويد ، ودم ، وبقيّة تلك الأسماء . فهذا فرق . فقد علمت - بما قدّمناه وهضبنا " 3 " فيه - قوّة تداخل الأصول الثلاثة الاسم والفعل والحرف وتمازجها ، وتقدّم بعضها على بعض تارة ، وتأخّرها عنه أخرى . فلهذا ذهب أبو علي - رحمه اللّه - إلى أن هذه اللغة وقعت طبقة واحدة ، كالرّقم تضعه على المرقوم ، والميسم يباشر به صفحة الموسوم ، لا يحكم لشيء منه بتقدّم في الزمان ، وإن اختلفت بما فيه من الصنعة القوّة والضعف في الأحوال . وقد كثر اشتقاق الأفعال من الأصوات الجارية مجرى الحروف ؛ نحو هاهيت ، وحاحيت ، وعاعيت ، وجأجأت ، وحأحأت ، وسأسأت ، وشأشأت " 4 " . وهذا كثير في الزّجر . وقد كانت حضرتنى وقتا فيه نشطة فكتبت تفسير كثير من هذه الحروف في كتاب ثابت في الزّجر ؛ فاطلبها في جملة ما أثبتّه عن نفسي في هذا وغيره .

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وسر صناعة الإعراب 2 / 693 ، ولسان العرب ( بشر ) . ( 2 ) يديت إليه يدا وأيديت : أسديت إليه نعمة . ( 3 ) يقال هضب في الحديث وأهضب : أفاض فيه وأكثر . ( 4 ) ها هيت : أي زجرت الإبل قائلا : ها ، ها . وكذلك حاحيت . عاعيت : يقال : عاعى بالغنم زجرها . جأجأت : زجرت الإبل قائلا : جؤجؤ . حأحأت : زجر للكبش . سأسأت : زجر للحمار ، وكذلك شأشأت .