عثمان بن جني ( ابن جني )

42

الخصائص

تصورها واستمعنا إلى " مستشزرات " أدركنا كيف أنها تقتضى هذا التنافر ، وبدأنا نستحليه ونتلذذ بتعثر لساننا في النطق به . وهو حقا تنافر ، ولكن ما أقوى انسجامه مع الصورة المرسومة " " 1 " . ونستطيع أن نقول مؤيدين كلام د / النويهى ومفسرين في الوقت نفسه لمطابقة تلك الكلمة لسياقها : إن ما عابه النقاد والبلاغيون على هذه الكلمة ورأوا فيه سببا لعدم فصاحتها هو بعينه ما نستشعر فيه أسباب إيحائها بالمعنى الذي أراد الشاعر التعبير عنه فأجاد . وذلك لأن البلاغيين قد حكموا على هذه الكلمة بعدم الفصاحة لكون حروفها متقاربة ليست متباعدة المخارج " 2 " ولكون حروفها مع ذلك متنافرة " فإن في توسيط الشين وهو من المهموسة الرخوة بين التاء وإنها من المهموسة الشديدة ، وبين الزاي وإنها من حروف الصفير المهجورة من التنافر ما لا يخفى " 3 " فلو قيل : ( مستشرفات ) لزال الثقل " 4 " . وإذا تأملنا هذا الذي ذكروه في أسباب عدم فصاحة تلك الكلمة ثم وازنا بين السمات الصوتية والنطقية لتلك الحروف وبين المعنى الذي تعبر عنه لوجدناها معبرة تمام التعبير عن هذا المعنى ؛ وذلك لأن الميم شفوية ، وكلا من السين والثاء والزاي أسنانية متقاربة المخرج ، مما يجعل هذه الأحرف معبرة بهذا التقارب في النطق الذي يتعثر فيه اللسان تعثرا شبيها بتعثر المدرى في خصلات هذا الشعر الكثيف المتعثكل بين مثنى ومرسل . كما يتخلل الشين تلك الأحرف ليعبر بما له من استطالة وتفش وانبساط عن استطالة ذلك الشعر وانبساطه وتفشيه وانسداله . كذلك تشارك الراء بما لها من صفة تكرارية في التعبير عن الكثرة والتزاحم في تلك الخصلات الشعرية المتكررة ويضاعف المد بالألف بما له من صفات الهوى والعمق والجوفية ، والامتداد في مضاعفة الشعور بكثرة هذا الشعر وعمقه وامتداده إلى أغوار بعيدة " " 5 " .

--> ( 1 ) ( الشعر الجاهلي ص 44 - 45 ) ، د / محمد النويهى . ( 2 ) انظر سر الفصاحة لابن سنان ص 60 ، والتبيان للطيبي 2 / 497 بتحقيقى . ( 3 ) التبيان 2 / 496 - 497 . ( 4 ) القول في المثل السائر 1 / 205 - 206 . ( 5 ) انظر سر الفصاحة لابن سنان ص 60 ، والتبيان للطيبي 2 / 497 بتحقيقى .