عثمان بن جني ( ابن جني )

417

الخصائص

حاضر مشاهد . فعلى ذلك يكونون قدّموا بناء نحو كم ، وكيف ، وحيث ، وقبل ، وبعد ، علما بأنهم سيستكثرون فيما بعد منها ، فيجب لذلك تغييرها . فإن قلت : هلا ذهبت إلى أن الأسماء أسبق رتبة من الأفعال في الزمان ، كما أنها أسبق رتبة منها في الاعتقاد ، واستدللت على ذلك بأن الحكمة قادت إليه ؛ إذ كان الواجب أن يبدءوا بالأسماء ؛ لأنها عبارات عن الأشياء ، ثم يأتوا بعدها بالأفعال التي بها تدخل الأسماء في المعاني والأحوال ، ثم جاءوا فيما بعد بالحروف ؛ لأنك تراها لواحق بالجمل بعد تركبها ، واستقلالها بأنفسها ؛ نحو إن زيدا أخوك ، وليت عمرا عندك ، وبحسبك أن تكون كذا ؟ قيل يمنع من هذا أشياء : منها وجودك أسماء مشتقّة من الأفعال ؛ نحو قائم من قام ، ومنطلق من انطلق ؛ ألا تراه يصحّ لصحّته ، ويعتلّ لاعتلاله ؛ نحو ضرب فهو ضارب ، وقام فهو قائم ، ( وناوم فهو مناوم ) . فإذا رأيت بعض الأسماء مشتقّا من الفعل فكيف يجوز أن يعتقد سبق الاسم للفعل في الزمان ، وقد رأيت الاسم مشتقّا منه ورتبة المشتقّ منه أن يكون أسبق من المشتقّ نفسه . وأيضا فإن المصدر مشتقّ من الجوهر ؛ كالنبات من النبت ، وكالاستحجار من الحجر ، وكلاهما اسم . وأيضا فإن المضارع يعتلّ لاعتلال الماضي ، وإن كان أكثر الناس على أن المضارع أسبق من الماضي . وأيضا فإن كثيرا من الأفعال مشتقّ من الحروف ؛ نحو قولهم : سألتك حاجة فلوليت لي ، أي قلت لي : لولا ، وسألتك حاجة فلا ليت لي ، أي قلت لي : لا . واشتقّوا أيضا المصدر - وهو اسم - من الحرف ، فقالوا : اللالاة واللولاة ، وإن كان الحرف متأخّرا في الرتبة عن الأصلين قبله : الاسم والفعل . وكذلك قالوا : سوّفت الرجل ، أي قلت له : سوف ، وهذا فعل - كما ترى - مأخوذ من الحرف . ومن أبيات الكتاب : لو ساوفتنا بسوف من تحيّتها * سوف العيوف لراح الركب قد قنع " 1 "

--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو لابن مقبل في ديوانه ص 172 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 384 ، ولسان العرب ( سوف ) ، والكتاب 4 / 212 ، والمحتسب 1 / 298 . ساوفتنا : واعدتنا بسوف أفعل . العيوف : الكاره والكارهة ، يقول : لو وعدتنا بتحية في المستقبل لقنعنا .