عثمان بن جني ( ابن جني )

415

الخصائص

نحن عليه في شيء ، وإنما كلامنا هنا : هل وقع جميعها في وقت واحد ، أم تتالت وتلاحقت قطعة قطعة ، وشيئا بعد شيء ، وصدرا بعد صدر . وإذ قد وصلنا من القول في هذا إلى هاهنا فلنذكر ما عندنا في مراتب الأسماء ، والأفعال ، والحروف ؛ فإنه من أماكنه وأوقاته . اعلم أن أبا علىّ - رحمه اللّه - كان يذهب إلى أن هذه اللغة - أعنى ما سبق منها ثم لحق به ما بعده - إنما وقع كلّ صدر منها في زمان واحد ، وإن كان تقدّم شيء منها على صاحبه فليس بواجب أن يكون المتقدّم على الفعل الاسم ، ولا أن يكون المتقدّم على الحرف الفعل ؛ وإن كانت رتبة الاسم في النفس من حصّة القوّة والضعف أن يكون قبل الفعل ؛ والفعل قبل الحرف . وإنما يعنى القوم بقولهم : إن الاسم أسبق من الفعل أنه أقوى في النفس ، وأسبق في الاعتقاد من الفعل ، لا في الزمان . فأما الزمان فيجوز أن يكونوا عند التواضع قدّموا الاسم قبل الفعل . ويجوز أن يكونوا قدّموا الفعل في الوضع قبل الاسم ، وكذلك الحرف . وذلك أنهم وزنوا حينئذ أحوالهم وعرفوا مصاير أمورهم ، فعلموا أنهم محتاجون إلى العبارات عن المعاني ، وأنها لا بدّ لها من الأسماء والأفعال والحروف ، فلا عليهم بأيّها بدءوا ، أبالاسم ، أم بالفعل أم بالحرف ؛ لأنهم قد أوجبوا على أنفسهم أن يأتوا بهنّ جمع ؛ إذ المعاني لا تستغنى عن واحد منهن . هذا مذهب أبي علىّ وبه كان يأخذ ويفتى . وهذا يضيّق الطريق على أبي إسحاق وأبى بكر في اختلافهما في رتبة الحاضر والمستقبل . وكان أبو الحسن يذهب إلى أن ما غيّر لكثرة استعماله إنما تصوّرته العرب قبل وضعه ، وعلمت أنه لا بدّ من كثرة استعمالها إياه فابتدءوا بتغييره ؛ علما بأن لا بدّ من كثرته الداعية إلى تغييره . وهذا في المعنى كقوله : رأى الأمر يفضى إلى آخر * فصيّر آخره أوّلا وقد كان أيضا أجاز أن يكون قد كانت قديما معربة ، فلمّا كثرت غيّرت فيما بعد . والقول عندي هو الأوّل ؛ لأنه أدلّ على حكمتها ، وأشهد لها بعلمها بمصاير أمرها ، فتركوا بعض الكلام مبنيّا غير معرب ؛ نحو أمس ، وهؤلاء ، وأين ، وكيف ،