عثمان بن جني ( ابن جني )

412

الخصائص

منه . وهذا موضع متعب مؤذ ، يشوب النفس ، ويشرى " 1 " اللبس ؛ إلا أن هذا كأنه متعذّر ولا يكاد يقع مثله . وذلك أن الأعرابىّ الفصيح إذا عدل به عن لغته الفصيحة إلى أخرى سقيمة عافها ولم يبهأ بها . سألت مرة الشجرىّ أبا عبد اللّه ومعه ابن عمّ له دونه في فصاحته ، وكان اسمه غصنا ، فقلت لهما : كيف تحقّران ( حمراء ) ؟ فقالا : حميراء . قلت : فسوداء ؟ قالا : سويداء . وواليت من ذلك أحرفا وهما يجيئان بالصواب . ثم دسست في ذلك ( علباء ) فقال غصن : ( عليباء ) وتبعه الشجرىّ . فلما همّ بفتح الباء تراجع كالمذعور ، ثم قال : آه ! عليبىّ ورام " 2 " الضمة في الياء . فكانت تلك عادة له ، إلا أنهم أشدّا استنكارا لزيغ الإعراب منهم لخلاف اللغة ؛ لأنّ بعضهم قد ينطق بحضرته بكثير من اللغات فلا ينكرها . إلا أن أهل الجفاء وقوّة الفصاحة يتناكرون خلاف اللغة تناكرهم زيغ الإعراب ؛ ألا ترى أن أبا مهديّة سمع رجلا من العجم يقول لصاحبه زوذ ، فسأل أبو مهدية عنها فقيل له : يقول له : اعجل ، فقال أبو مهدية : فهلا قال له : حيّهلك . فقيل له : ما كان اللّه ليجمع لهم إلى العجمية العربية . وحدّثنى المتنبي أنه حضرته جماعة من العرب منصرفه من مصر ، وأحدهم يصف بلدة واسعة ، فقال في كلامه : تحير فيها العيون ، قال : وآخر من الجماعة يجيء إليه سرّا ويقول له : تحار ، تحار . والحكايات في هذا المعنى كثيرة منبسطة . ومن بعد فأقوى القياسين أن يقبل ممن شهرت فصاحته ما يورده ، ويحمل أمره على ما عرف من حاله ، لا على ما عسى أن يكون من غيره . وذلك كقبول القاضي شهادة من ظهرت عدالته ، وإن كان يجوز أن يكون الأمر عند اللّه بخلاف ما شهد به ؛ ألا تراه يمضى الشهادة ويقطع بها وإن لم يقع العلم بصحّتها ؛ لأنه لم يؤخذ بالعمل بما عند اللّه ، إنما أمر بحمل الأمور على ما تبدو ، وإن كان في المغيّب غيره . فإن لم تأخذ بها دخل عليك الشكّ في لغة من تستفصحه ولا تنكر شيئا من لغته مخافة أن يكون فيها بعض ما يخفى عليك فيعترض الشكّ على يقينك ،

--> ( 1 ) يشرى اللبس : أي يجعله يشرى أي يلج ويكثر . ( 2 ) روم الضمة هو أن يأتي بها في الوقف على المضموم خفية . وهو من أنواع الوقف .