عثمان بن جني ( ابن جني )

403

الخصائص

فقوى قياسهم . وكيف كانوا يكونون في ذلك على ضعف من القياس ، والجماعة عليه ! أفتجمع كافّة اللغات على ضعف ونقص ، حتى ينبغ نابغ منهم فيردّ لسانه إلى قوّة القياس دونهم ! نعم ، ونحن أيضا نعلم أن القياس مقتض لصحّة لغة الكافّة ، وهي الياء في موضع الجرّ والنصب ؛ ألا ترى أن في ذلك فرقا بين المرفوع وبينهما ، وهذا هو القياس في التثنية ، كما كان موجودا في الواحد . ويؤكّده لك أنا نعتذر لهم من مجيئهم بلفظ المنصوب في التثنية على لفظ المجرور . وكيف يكون القياس أن تجتمع أوجه الإعراب الثلاثة على صورة واحدة ! وقد ذكرت هذا الموضع في كتابي في ( سرّ الصناعة ) بما هو لاحق بهذا الموضع ومقوّ له . فقد علمت بهذا أن صاحب لغة قد راعى لغة غيره . وذلك لأن العرب وإن كانوا كثيرا منتشرين ، وخلقا عظيما في أرض اللّه غير متحجرين ولا متضاغطين ، فإنهم بتجاورهم وتلاقيهم وتزاورهم يجرون مجرى الجماعة في دار واحدة . فبعضهم يلاحظ [ صاحبه ] ويراعى أمر لغته ، كما يراعى ذلك من مهمّ أمره . فهذا هذا . وإن كان الخليل أراد بقوله : تقلب الياء ألفا : أي في ييأس ، فالأمر أيضا عائد إلى ما قدّمنا ؛ ألا ترى أنه إذا شبّه مررت بأخواك بقولهم : ييأس وياءس ، فقد راعى أيضا في مررت بأخواك لغة من قال : مررت بأخويك . فالأمران إذا صائران إلى موضع واحد . ولهذا نظائر في كلامهم ، وإنما أضع منه رسما ليرى به غيره بإذن اللّه . وأجاز أبو الحسن أن يكون كانت العرب قدما تقول : مررت بأخويك وأخواك جميعا ، إلا أن الياء كانت أقيس للفرق ، فكثر استعمالها ، وأقام الآخرون على الألف ، أو أن يكون الأصل قبله الياء في الجرّ والنصب ، ثم قلبت للفتحة قبلها ألفا في لغة بلحارث بن كعب . وهذا تصريح بظاهر قول الخليل الذي قدّمناه . ولغتهم عند أبي الحسن أضعف من ( هذا جحر ضبّ خرب ) قال : لأنه قد كثر عنهم الاتباع ؛ نحو شدّ وضرّ وبابه ، فشبّه هذا به . ومن هذا حذف بنى تميم ألف ( ها ) من قولهم ( هلمّ ) لسكون اللام في لغة أهل