عثمان بن جني ( ابن جني )

381

الخصائص

( باب فيما يرد ) عن العربي مخالفا لما عليه الجمهور إذا اتّفق شيء من ذلك نظر في حال ذلك العربىّ وفيما جاء به . فإن كان الإنسان فصيحا في جميع ما عدا ذلك القدر الذي انفرد به ، وكان ما أورده ممّا يقبله القياس ، إلا أنه لم يرد به استعمال إلا من جهة ذلك الإنسان ، فإنّ الأولى في ذلك أن يحسن الظنّ به ، ولا يحمل على فساده . فإن قيل : فمن أين ذلك له ، وليس مسوّغا أن يرتجل لغة لنفسه ؟ قيل : قد يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة قد طال عهدها ، وعفا رسمها ، وتأبّدت " 1 " معالمها . أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحجّاج عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال : قال ابن عون عن ابن سيرين ، قال عمر بن الخطاب رضى اللّه تعالى عنه : كان الشعر علم القوم ، ولم يكن لهم علم أصحّ منه ، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم ، ولهيت عن الشعر وروايته ، فلمّا كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنّت العرب في الأمصار ، راجعوا رواية الشعر ، فلم يئولوا إلى ديوان مدوّن ، ولا كتاب مكتوب ، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل ، فحفظوا أقلّ ذلك ، وذهب عنهم كثيره . وحدّثنا أبو بكر أيضا عن أبي خليفة قال : قال يونس بن حبيب : قال أبو عمرو بن العلاء : ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلّه ، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير . فهذا ما تراه ، وقد روى في معناه كثير . وبعد فلسنا نشكّ في بعد لغة حمير ونحوها عن لغة ابني نزار ؛ فقد يمكن أن يقع شيء من تلك اللغة في لغتهم فيساء الظنّ فيه بمن سمع منه ، وإنما هو منقول من تلك اللغة . ودخلت يوما على أبى علىّ - رحمه اللّه - خاليا في آخر النهار ، فحين رآني قال

--> ( 1 ) تأبد المنزل : أقفر وألفته الوحوش .