عثمان بن جني ( ابن جني )

375

الخصائص

فإن قلت : فما بالهم كسروا عين ينعم ، وليس في ماضيه إلا نعم ، ونعم ، وكل واحد من فعل وفعل ليس له حظّ من باب يفعل . قيل : هذا طريقه غير طريق ما قبله . فإما أن يكون ينعم - بكسر العين - جاء على ماض وزنه فعل ، غير أنهم لم ينطقوا به استغناء عنه بنعم ونعم ، كما استغنوا بترك عن وذر ، وودع ، وكما استغنوا بملامح عن تكسير لمحة ؛ وغير ذلك . أو يكون فعل في هذا داخلا على فعل ؛ فكما أن فعل بابه يفعل ، كذلك شبّهوا بعض فعل به فكسروا عين مضارعه ، كما ضمّوا في ظرف عين ماضيه ومضارعه . فنعم ينعم في هذا محمول على كرم يكرم ، كما دخل يفعل فيما ماضيه فعل ؛ نحو قتل يقتل على باب يشرف ويظرف . وكأن باب يفعل إنما هو لما ماضيه فعل ، ثم دخلت يفعل في فعل على يفعل ؛ لأن ضرب يضرب أقيس من قتل يقتل . ألا ترى أن ما ماضيه فعل إنما بابه فتح عين مضارعه ؛ نحو ركب يركب ، وشرب يشرب . فكما فتح المضارع لكسر الماضي ، فكذلك أيضا ينبغي أن يكسر المضارع لفتح الماضي . وإنما دخلت يفعل في باب فعل على يفعل من حيث كانت كل واحدة من الضمّة والكسرة مخالفة للفتحة ، ولمّا آثروا خلاف حركة عين المضارع لحركة عين الماضي ووجدوا الضمة مخالفة للفتحة خلاف الكسرة لها عدلوا في بعض ذاك إليها ، فقالوا : قتل يقتل ، ودخل يدخل ، وخرج يخرج . وأنا أرى أنّ يفعل فيما ماضيه فعل في غير المتعدّى أقيس من يفعل ؛ فضرب يضرب إذا أقيس من قتل يقتل ، وقعد يقعد أقيس من جلس يجلس . وذلك أن يفعل إنما هي في الأصل لما لا يتعدّى ؛ نحو كرم يكرم ، على ما شرحنا من حالها . فإذا كان كذلك كان أن يكون في غير المتعدّى فيما ماضيه فعل أولى وأقيس . فإن قيل : فكيف ذلك ونحن نعلم أن يفعل في المضاعف المتعدّى أكثر من يفعل ؛ نحو شدّه يشدّه ، ومدّه يمدّه ، وقدّه يقدّه ، وجزّه يجزّه ، وعزّه يعزّه ، وأزّه يؤزّه ، وعمّه يعمّه ، وأمّه يؤمّه ، وضمّه يضمّه ، وحلّه يحلّه ، وسلّه يسلّه ، وتلّه يتلّه . ويفعل في المضاعف قليل محفوظ ، نحو هرّه يهرّه ، وعلّه يعلّه ، وأحرف قليلة . وجميعها يجوز فيه " أفعله " نحو علّه يعلّه ، وهرّه يهرّه ؛ إلا حبّه يحبّه فإنه