عثمان بن جني ( ابن جني )

317

الخصائص

باب في إصلاح اللفظ اعلم أنه لمّا كانت الألفاظ للمعاني أزمّة ، وعليها أدلّة ، وإليها موصّلة ، وعلى المراد منها محصّلة ، عنيت العرب بها فأولتها صدرا صالحا من تثقيفها وإصلاحها . فمن ذلك قولهم : أمّا زيد فمنطلق ؛ ألا ترى أن تحرير هذا القول إذا صرّحت بلفظ الشرط فيه صرت إلى أنك كأنك قلت : مهما يكن من شيء فزيد منطلق ، فتجد الفاء في جواب الشرط في صدر الجزأين ، مقدّمة عليهما . وأنت في قولك : أمّا زيد فمنطلق إنما تجد الفاء واسطة بين الجزأين ولا تقول : أمّا فزيد منطلق ؛ كما تقول فيما هو ( في معناه ) : مهما يكن من شيء فزيد منطلق . وإنما فعل ذلك لإصلاح اللفظ . ووجه إصلاحه أن هذه الفاء وإن كانت جوابا ولم تكن عاطفة ، فإنها على مذهب لفظ العاطفة وبصورتها ، فلو قالوا : أمّا فزيد منطلق ، كما يقولون : مهما يكن من شيء فزيد منطلق لوقعت الفاء الجارية مجرى فاء العطف بعدها اسم وليس قبلها اسم ، إنما قبلها في اللفظ حرف ، وهو أمّا . فتنكّبوا ذلك لما ذكرنا ، ووسّطوها بين الحرفين ؛ ليكون قبلها اسم وبعدها آخر ، فتأتي على صورة العاطفة ؛ فقالوا : أمّا زيد فمنطلق ، كما تأتى عاطفة بين الاسمين في نحو قام زيد فعمرو . وهذا تفسير أبى علىّ رحمه اللّه تعالى . وهو الصواب . ومثله امتناعهم أن يقولوا : انتظرتك وطلوع الشمس ، أي مع طلوع الشمس ، فينصبوه على أنه مفعول معه ؛ كما ينصبون نحو قمت وزيدا ، أي مع زيد . قال أبو الحسن : وإنما ذلك لأن الواو التي بمعنى مع لا تستعمل إلا في الموضع الذي لو استعملت فيه عاطفة لجاز . ولو قلت : انتظرتك وطلوع الشمس ، أي و ( انتظرك " 1 " طلوع الشمس ) لم يجز . أفلا ترى إلى إجرائهم الواو غير العاطفة في هذا مجرى العاطفة ، فكذلك أيضا تجرى الفاء غير العاطفة في نحو أمّا زيد فمنطلق مجرى

--> ( 1 ) لا يجوز : لأن طلوع الشمس لا يجوز منه انتظار أحد ، كما يجوز أن تقول : قمت وزيد فتعطف زيدا على التاء ؛ لأنه قد يجوز من زيد القيام . سر صناعة الإعراب : 1 / 122 حرف الباء .