عثمان بن جني ( ابن جني )

313

الخصائص

وأبيض لياح ، كذلك أيضا [ قلبت الياء واوا ] في نحو الفتوى ، والرّعوى ، والتقوى ، والبقوى ، والثّنوى ، والشّروى - وقد ذكر ذلك - وقولهم عوى الكلب عوّة . وكما أتبعوا الثاني الأوّل في نحو شدّ ، وفرّ ، وعضّ ، ومنذ ، كذلك أتبعوا الأوّل الثاني في نحو : اقتل ، اخرج ، ادخل ، وأشباه هذا كثير ، فلمّا رأى سيبويه العرب إذا شبّهت شيئا بشئ فحملته على حكمه ، عادت أيضا فحملت الآخر على حكم صاحبه ، تثبيتا لهما وتتميما لمعنى الشّبه بينهما ، حكم أيضا لجرّ الوجه من قوله ( هذا الحسن الوجه ) أن يكون محمولا على جرّ الرجل في قولهم ( هذا الضارب الرجل ) كما أجازوا أيضا النصب في قولهم ( هذا الحسن الوجه ) حملا له منهم على ( هذا الضارب الرجل ) ونظيره قولهم : يا أميمة ، ألا تراهم حذفوا الهاء فقالوا : أميم ، فلمّا أعادوا الهاء أقرّوا الفتحة بحالها اعتيادا للفتحة في الميم ، وإن كان الحذف فرعا . وكذلك قولهم ( اجتمعت أهل اليمامة ) أصله ( اجتمع أهل اليمامة ) ثم حذف المضاف فأنّث الفعل فصار ( اجتمعت اليمامة ) ثم أعيد المحذوف فأقرّ التأنيث الذي هو الفرع بحاله ، فقيل اجتمعت أهل اليمامة ( نعم ) وأيّد ذلك ما قدّمنا ذكره : من عكسهم التشبيه وجعلهم فيه الأصول محمولة على الفروع ، في تشبيههم كثبان الأنقاء بأعجاز النساء ، وغير ذلك مما قدّمنا ذكره . ولمّا كان النحويّون بالعرب لاحقين ، وعلى سمتهم آخذين ، وبألفاظهم متحلّين ، ولمعانيهم وقصودهم آمّين ، جاز لصاحب هذا العلم ؛ الذي جمع شعاعه ، وشرع أوضاعه ، ورسم أشكاله ، ووسم أغفاله " 1 " ، وخلج أشطانه ، وبغج أحضانه ، وزمّ شوارده ، وأفاء فوارده " 2 " ، أن يرى فيه نحوا مما رأوا ، ويحذوه على أمثلتهم التي حذوا ، وأن يعتقد في هذا الموضع نحوا مما اعتقدوا في أمثاله ، لا سيّما والقياس إليه مصغ ، وله قابل ، وعنه غير متثاقل . فاعرف إذا ما نحن عليه للعرب مذهبا ، ولمن شرح لغاتها مضطربا ، وأن سيبويه لاحق بهم ، وغير بعيد فيه عنهم . ولذلك عندنا لم يتعقّب هذا الموضع عليه أحد من أصحابه ، ولا غيرهم ، ولا أضافوه إلى

--> ( 1 ) الغفل بضم الغين وسكون الفاء : كلّ ما لا علامة فيه ولا أثر عمارة من الأرضين والطرق ونحوها ، والجمع أغفال . وانظر اللسان ( غفل ) . ( 2 ) الفوارد : جمع فارد وفاردة ، وظبية فارد : منفردة انفردت عن القطيع . اللسان ( فرد ) .