عثمان بن جني ( ابن جني )

303

الخصائص

وفيها : في باذخات من عماية أو * يرفعه دون السماء خيم " 1 " والأمر في كثرة تقديم المفعول على الفاعل في القرآن وفصيح الكلام متعالم غير مستنكر ، فلمّا كثر وشاع تقديم المفعول [ على الفاعل ] كان الموضع له ، حتى إنه إذا أخّر فموضعه التقديم ، فعلى ذلك كأنه قال : جزى عدىّ بن حاتم ربّه ، ثم قدّم الفاعل على أنه قد قدّره مقدّما عليه مفعوله فجاز ذلك ، ولا تستنكر هذا الذي صوّرته لك ولا يجف عليك ؛ فإنه مما تقبله هذه اللغة ولا تعافه ولا تتبشّعه ؛ ألا ترى أن سيبويه أجاز في جرّ ( الوجه ) من قولك : هذا الحسن الوجه أن يكون من موضعين : أحدهما بإضافة الحسن إليه ، والآخر تشبيه له بالضارب الرجل ، هذا مع أنّا قد أحطنا علما بأن الجرّ في ( الرجل ) من قولك : هذا الضارب الرجل إنما جاءه وأتاه من جهة تشبيههم إيّاه بالحسن الوجه ، لكن لما اطّرد الجرّ في نحو هذا الضارب الرجل ، والشاتم الغلام ، صار كأنه أصل في بابه ، حتى دعا ذاك سيبويه إلى أن عاد ( فشبه الحسن الوجه ) بالضارب الرجل ، [ من الجهة التي إنما صحّت للضارب الرجل تشبيه بالحسن الوجه ] وهذا يدلّك على تمكّن الفروع عندهم ، حتى إن أصولها التي أعطتها حكما من أحكامها قد حارت فاستعادت من فروعها ما كانت هي أدّته إليها ، وجعلته عطيّة منها لها ، فكذلك أيضا يصير تقديم المفعول لمّا استمرّ وكثر كأنه هو الأصل ، وتأخير الفاعل كأنه أيضا هو الأصل . فإن قلت ، إنّ هذا ليس مرفوعا إلى العرب ولا محكيّا عنها أنها رأته مذهبا ، وإنما هو شيء رآه سيبويه واعتقده قولا ، ولسنا نقلّد سيبويه ولا غيره في هذه العلّة ولا غيرها ، فإن الجواب عن هذا حاضر عتيد ، والخطب فيه أيسر ، وسنذكره في باب يلي هذا بإذن اللّه . ويؤكّد أن الهاء في ( ربه ) لعدىّ بن حاتم من جهة المعنى عادة العرب في الدعاء ؛ ألا تراك لا تكاد تقول : جزى ربّ زيد عمرا ، وإنما يقال : جزاك ربّك خيرا أو شرا . وذلك أوفق ؛ لأنه إذا كان مجازيه ربّه كان أقدر على جزائه وأملأ به . ولذلك جرى العرف بذلك فاعرفه .

--> ( 1 ) عماية : جبل من جبال هذيل . خيم : جبل . اللسان ( عمى ) ، ( خيم ) .