عثمان بن جني ( ابن جني )

294

الخصائص

حذفت لتقدّم ذكرها في نحو قولك : بمن تمرر أمرر ، وعلى من تنزل أنزل ، ولم تقل : أمر ربه ولا أنزل عليه ، لكن حذفت الحرفين لتقدّم ذكرهما . وإذا جاز للفرزدق أن يحذف حرف الجرّ لدلالة ما قبله عليه ( مع مخالفته له في الحكم ) في قوله : وإنّى من قوم بهم يتّقى العدا * ورأب الثأى والجانب المتخوّف " 1 " أراد : وبهم رأب الثأى ، فحذف الباء في هذا الموضع لتقدّمها في قوله : بهم يتقى العدا ، وإن كانت حالاهما مختلفتين . ألا ترى أن الباء في قوله ( بهم يتقى العدا ) منصوبة الموضع لتعلّقها بالفعل الظاهر الذي هو يتّقى ، كقولك : بالسيف يضرب زيد ، والباء في قوله : ( وبهم رأب الثأى ) مرفوعة الموضع عند قوم ، وعلى كلّ حال فهي متعلّقة بمحذوف ورافعه الرأب - ونظائر هذا كثيرة - كان حذف الباء من قوله ( والأرحام ) لمشابهتها الباء في ( به ) موضعا وحكما أجدر ، وقد أجازوا تبّا له وويل على تقدير وويل له ، فحذفوها وإن كانت اللام في ( تبّا له ) لا ضمير فيها وهي متعلّقة بنفس ( تبّا ) مثلها في هلمّ لك وكانت اللام في ( ويل له ) خبرا ، ومعلّقة بمحذوف وفيها ضمير ، فهذا عروض " 2 " بيت الفرزدق . فإن قلت : فإذا كان المحذوف للدّلالة عليه عندك بمنزلة الظاهر فهل تجيز توكيد الهاء المحذوفة في نحو قولك : الذي ضربت زيد ، فتقول : الذي ضربت نفسه زيد ؛ كما تقول : الذي ضربته نفسه زيد ؟ قيل : هذا عندنا غير جائز ؛ وليس ذلك لأن المحذوف هنا ليس بمنزلة المثبت ، بل لأمر آخر ، وهو أن الحذف هنا إنما الغرض به التخفيف لطول الاسم ، فلو ذهبت تؤكّده لنقضت الغرض . وذلك أن لتوكيد والإسهاب ضدّ التخفيف والإيجاز ؛ فلمّا كان الأمر كذلك تدافع الحكمان ، فلم يجز أن يجتمعا ؛ كما لا يجوز ادّغام الملحق ؛ لما فيه من نقض الغرض . وكذلك

--> ( 1 ) البيت للفرزدق في ديوانه 2 / 29 ، والأشباه والنظائر 2 / 326 ، وجمهرة أشعار العرب ص 887 ، ولسان العرب ( رأب ) ، وبلا نسبة في الخصائص 1 / 286 . رأب الثأى : إصلاح الفساد . ورأب الصدع والإناء يرأبه رأبا ورأبة : أصلحه . وانظر اللسان ( رأب ) . ( 2 ) يقال : هذه المسألة عروض هذه ، أي نظيرها . اللسان ( عرض ) .