عثمان بن جني ( ابن جني )

289

الخصائص

باب في الفرق بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى هذا الموضع كثيرا ما يستهوى من يضعف نظره إلى أن يقوده إلى إفساد الصنعة . وذلك كقولهم في تفسير قولنا ( أهلك والليل ) معناه الحق أهلك قبل الليل ، فربما دعا ذاك من لا دربة له إلى أن يقول ( أهلك والليل ) فيجرّه ، وإنما تقديره الحق أهلك وسابق الليل . وكذلك قولنا زيد قام : ربّما ظنّ بعضهم أن زيدا هنا فاعل في الصنعة ، كما أنه فاعل في المعنى . وكذلك تفسير معنى قولنا : سرّنى قيام هذا وقعود ذاك ، بأنه سرّنى أن قام هذا وأن قعد ذاك ، ربما اعتقد في هذا وذاك أنهما في موضع رفع لأنهما فاعلان في المعنى . ولا تستصغر هذا الموضع ؛ فإن العرب أيضا قد مرّت به وشمّت روائحه ، وراعته . وذلك أن الأصمعي أنشد في جملة أراجيزه شعرا من مشطور السريع طويلا ، ممدودا ، مقيّدا ، التزم الشاعر فيه أن جعل قوافيه كلها في موضع جرّ إلا بيتا واحدا من الشعر : يستمسكون من حذار الإلقاء * بتلعات كجذوع الصيصاء " 1 " ردى ردى ورد قطاة صمّاء * كدريّة أعجبها برد الماء " 2 " تطّرد قوافيها كلّها على الجرّ إلا بيتا واحدا ، وهو قوله : * كأنها وقد رآها الرؤاء " 3 " * والذي سوّغه ذاك - على ما التزمه في جميع القوافي - ما كنّا على سمته من القول . وذلك أنه لمّا كان معناه : كأنها في وقت رؤية الرؤاء تصوّر معنى الجرّ من هذا الموضع ، فجاز أن يخلط هذا البيت بسائر الأبيات ، وكأنه لذلك لم يخالف . ونظير هذا عندي قول طرفة :

--> ( 1 ) الرجز لغيلان الربعي في لسان العرب ( تلع ) ، وتاج العروس ( تلع ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( لقا ) وجمهرة اللغة ص 242 ، 866 ، 1234 . ( 2 ) الرجز بلا نسبة في أساس البلاغة ( ورد ) . ( 3 ) الرجز لغيلان الربعي في لسان العرب ( رأى ) .