عثمان بن جني ( ابن جني )
265
الخصائص
باب في الحمل على الظاهر وإن أمكن أن يكون المراد غيره اعلم أن المذهب هو هذا الذي ذكرناه ، والعمل عليه ، والوصيّة به . فإذا شاهدت ظاهرا يكون مثله أصلا أمضيت الحكم على ما شاهدته من حاله ، وإن أمكن أن تكون الحال في باطنه بخلافه ؛ ألا ترى أن سيبويه حمل سيدا على أنه مما عينه ياء ، فقال في تحقيره : سييد ، كديك ودييك ، وفيل وفييل . وذلك أن عين الفعل لا ينكر أن تكون ياء ، وقد وجدت في سيد ياء ، فهي في ظاهر أمرها ، إلى أن يرد ما يستنزل عن بادي حالها . فإن قلت : فإنا لا نعرف في الكلام تركيب ( س ى د ) فهلا لمّا لم يجد ذلك ، حمل الكلمة على ما في الكلام مثله ، وهو ما عينه من هذا اللفظ واو ، وهو السواد والسّودد ، ونحو ذلك ؟ قيل : هذا يدلّك على قوّة الظاهر عندهم ، وأنه إذا كان ممّا تحتمله القسمة ، وتنتظمه القضيّة ، حكم به وصار أصلا على بابه . وليس يلزم إذا قاد الظاهر إلى إثبات حكم تقبله الأصول ولا تستنكره ألّا يحكم به ، حتى يوجد له نظير . وذلك أن النظير - لعمري - مما يؤنس به ، فأمّا ألا تثبت الأحكام إلا به فلا ؛ ألا ترى أنه قد أثبت في الكلام فعلت تفعل ، وهو كدت تكاد ، وإن لم يوجدنا غيره ، وأثبت بانقحل باب ( انفعل ) ، وإن لم يحك هو غيره ، وأثبت بسخاخين ( فعاعيلا ) وإن لم يأت بغيره . فإن قلت : فإنّ ( سيدا ) ممّا يمكن أن يكون من باب ريح وديمة ، فهلا توقّف عن الحكم بكون عينه ياء ؛ لأنه لا يأمن أن تكون واوا ؟ قيل : هذا الذي تقوله إنما تدّعى فيه ألا يؤمن أن يكون من الواو ؛ وأمّا الظاهر فهو ما تراه . ولسنا ندع حاضرا له وجه من القياس لغائب مجوّز ليس عليه دليل . فإن قيل : كثرة عين الفعل واوا تقود إلى الحكم بذاك ، قيل : إنما يحكم بذاك مع عدم الظاهر ، فأمّا والظاهر معك ، فلا معدل عنه بك . لكن - لعمري - إن لم