عثمان بن جني ( ابن جني )
239
الخصائص
فقد ترى إلى علوّ هذا اللفظ ومائه ، وصقاله وتلامح أنحائه ، ومعناه مع هذا ما تحسّه وتراه : إنما هو : لمّا فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين ، وتحدّثنا على ظهور الإبل . ولهذا نظائر كثيرة شريفة الألفاظ رفيعتها ، مشروفة المعاني خفيضتها . قيل : هذا الموضع قد سبق إلى التعلّق به من لم ينعم النظر فيه ، ولا رأى ما أراه القوم منه ، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر ، وخفاء غرض الناطق . وذلك أن في قوله " كل حاجة " [ ما ] يفيد منه أهل النسيب والرّقّة ، وذوو الأهواء والمقة " 1 " ما لا يفيده غيرهم ، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم ؛ ألا ترى أن من حوائج ( منى ) أشياء كثيرة غير ما الظاهر عليه ، والمعتاد فيه سواها ؛ لأن منها التلاقى ، ومنها التشاكى ، ومنها التخلّى ، إلى غير ذلك ممّا هو تال له ، ومعقود الكون به . وكأنه صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه ، وعقد غرضه عليه ، بقوله في آخر البيت : * ومسّح بالأركان من هو ماسح " 2 " * أي إنما كانت حوائجنا التي قضيناها ، وآرابنا التي أنضيناها ، من هذا النحو الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق به ، وجار في القربة من اللّه مجراه ؛ أي لم يتعدّ هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أوّل البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح . وأمّا البيت الثاني فإنّ فيه : * أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا " 3 " * وفي هذا ما أذكره ؛ لتراه فتعجب ممّن عجب منه ووضع من معناه . وذلك أنه لو قال : أخذنا في أحاديثنا ، ونحو ذلك لكان فيه معنى يكبره أهل النسيب ، وتعنو له ميعة " 4 " الماضي الصليب . وذلك أنهم قد شاع عنهم واتّسع في محاوراتهم علوّ قدر الحديث بين الأليفين ، والفكاهة بجمع شمل المتواصلين ؛ ألا ترى إلى قول الهذلىّ :
--> ( 1 ) المقة : المحبة . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) سبق تخريجه . ( 4 ) ميعة الشباب والسكر والنهار : أوله وأنشطه . اللسان ( ميع ) .