عثمان بن جني ( ابن جني )

229

الخصائص

الخاطر في حضوره تارة ، ومغيبه أخرى . وهذا يدلّ على أنه من عند اللّه . فقال : نعم ، هو من عند اللّه ، إلا أنه لا بدّ من تقديم النظر ؛ ألا ترى أن حامدا البقّال لا يخطر له . ومن طريف حديث هذا الخاطر أنني كنت منذ زمان طويل رأيت رأيا جمعت فيه بين معنى آية ومعنى قول الشاعر : وكنت أمشى على رجلين معتدلا فصرت أمشى على أخرى من الشجر " 1 " ولم أثبت حينئذ شرح حال الجمع بينهما ثقة بحضوره متى استحضرته ، ثم إني الآن - وقد مضى له سنون - أعانّ " 2 " الخاطر وأستثمده " 3 " ، وأفانيه " 4 " وأتودّده ، على أن يسمح لي بما كان أرانيه من الجمع بين معنى الآية والبيت ، وهو معتاص متأبّ ، وضنين به غير معط . وكنت وأنا أنسخ التذكرة لأبى علىّ إذا مرّ بي شيء قد كنت رأيت طرفا منه ، أو ألممت به فيما قبل أقول له : قد كنت شارفت هذا الموضع ، وتلوّح لي بعضه ، ولم أنته إلى آخره ، وأراك أنت قد جئت به واستوفيته وتمكّنت فيه ، فيتبسّم - رحمه اللّه - ، له ويتطلق إليه ؛ سرورا باستماعه ، ومعرفة بقدر نعمة اللّه عنده فيه ، وفي أمثاله . وقلت مرّة لأبى بكر أحمد بن علي الرازىّ - رحمه اللّه - وقد أفضنا في ذكر أبى علىّ ونبل قدره ، ونباوة " 5 " محلّه : أحسب أن أبا علىّ قد خطر له وانتزع من

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للجعدى في ديوانه ص 178 ، ولسان العرب ( أتى ) ، ( ولى ) ، وتاج العروس ( أتى ) ، ( ولى ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( حلب ) ، وديوان الأدب ( 3 / 224 ) ، وتاج العروس ( حلب ) . ( 2 ) أي : أعارض ، يقال : عنّ الشئ أي اعترض ، والعنن : الاعتراض . اللسان ( عنن ) . ( 3 ) الثّمد والثّمد : الماء القليل الذي لا مادّ له . وفي حديث طهفة : وافجر لهم الثّمد وهو - بالتحريك - الماء القليل ، أي افجره لهم حتى يصير كثيرا وانظر اللسان ( ثمد ) . ( 4 ) المفاناة : المداراة ، وفانيت الرجل : داريته . اللسان ( فنى ) . ( 5 ) نباوة : الارتفاع والشرف ، والنّبوة والنباوة والنبىّ : ما ارتفع من الأرض .