عثمان بن جني ( ابن جني )

226

الخصائص

فإن قلت : فمن أين لنا في علامات التأنيث ما يكون معنى لا لفظا ؟ قيل : إذا قام الدليل لم يلزم النظير . وأيضا فإن التاء في هذا وإن لم تكن للتأنيث فإنها بدل خصّ التأنيث ، والبدل وإن كان كالأصل لأنه بدل منه فإن له أيضا شبها بالزائد من موضع آخر ، وهو كونه غير أصل ، كما أن الزائد غير أصل ؛ ألا ترى إلى ما حكاه عن أبي الخطّاب من قول بعضهم في راية : راءة بالهمز ، كيف شبّه ألف راية - وإن كانت بدلا من العين - بالألف الزائدة ، فهمز اللام بعدها ، كما يهمزها بعد الزائدة في نحو سقاء ، وقضاء . وأمّا قول أبى عمر " 1 " : إن التاء في كلتى زائدة ، وإنّ مثال الكلمة بها ( فعتل ) فمردود عند أصحابنا ؛ لما قد ذكر في معناه من قولهم : إن التاء لا تزاد حشوا إلا في ( افتعل ) وما تصرّف منه ، [ و ] لغير ذلك ، غير أنى قد وجدت لهذا القول نحوا ونظيرا . وذلك فيما حكاه الأصمعىّ من قولهم للرجل القوّاد : الكلتبان ، وقال مع ذلك : هو من الكلب ، وهو القيادة . فقد ترى التاء على هذا زائدة حشوا ، ووزنه فعتلان . ففي هذا شيئان : أحدهما التسديد من قول أبى عمر ، والآخر إثبات مثال فائت للكتاب . وأمثل ما يصرف إليه ذلك أن يكون الكلب ثلاثيّا ، والكلتبان رباعيّا ؛ كزرم " 2 " وازرأمّ ، وضفد " 3 " ، واضفأدّ ، وكزغّب الفرخ وازلغبّ ، ونحو ذلك من الأصلين الثلاثيّ والرباعىّ ، المتداخلين . وهذا غور عرض ، فقلنا فيه ولنعد . ومن ذلك أن يرد اللفظان عن العالم متضادّين على غير هذا الوجه . وهو أن يحكم في شيء بحكم ما ، ثم يحكم فيه نفسه بضدّه ، غير أنه لم يعلّل أحد القولين . فينبغي حينئذ أن ينظر إلى الأليق بالمذهب ، والأجرى على قوانينه ، فيجعل هو المراد المعتزم منهما ، ويتأوّل الآخر إن أمكن . وذلك كقوله : حتّى الناصبة للفعل ، وقد تكرر من قوله أنها حرف من حروف الجرّ ، وهذا ناف لكونها ناصبة له ، من حيث كانت عوامل الأسماء لا تباشر

--> ( 1 ) هو صالح بن إسحاق أبو عمر الجرمىّ البصرىّ . قال الخطيب : كان فقيها عالما بالنحو واللغة أخذ النحو عن الأخفش ويونس ، واللغة عن الأصمعي وأبى عبيدة ، ومات سنة 225 ، انظر البغية 2 / 8 . وانظر اللسان ( كلو ) . ( 2 ) زرم دمعه وبوله وكلامه وازرأمّ : انقطع . ( 3 ) ضفد الرجل واضفأدّ : صار كثير اللحم ثقيلا مع حمق . اللسان ( ضفد ) .