عثمان بن جني ( ابن جني )

203

الخصائص

ونعد ، وتعد ؛ قيل يفسد هذا من أوجه . وذلك أن حروف المضارعة تجرى مجرى الحرف الواحد من حيث كانت كلّها متساوية في جعلها الفعل صالحا لزمانين : الحال والاستقبال ؛ فإذا وجب في أحدها شيء أتبعوه سائرها ، وليس كذلك علم الإعراب : ألا ترى أن موضوع الإعراب على مخالفة بعضه بعضا ؛ من حيث كان إنما جيء به دالا على اختلاف المعاني . فإن قلت : فحروف المضارعة أيضا موضوعة على اختلاف معانيها ؛ لأن الهمزة للمتكلّم ، والنون للمتكلّم إذا كان معه غيره ؛ وكذلك بقيّتها ، قيل : أجل ، إلا أنها كلها مع ذلك مجتمعة على معنى واحد ، وهو جعلها الفعل صالحا للزمانين على ما مضى . فإن قلت : فالإعراب أيضا كلّه مجتمع على جريانه على حرفه ، قيل : هذا عمل لفظىّ ، والمعاني أشرف من الألفاظ . وأيضا فتركهم إظهار الألف قبل هذه الياء مع ما يعتقد من خفّة الألف - حتى إنه لم يسمع منهم نحو فأي ، ولا أباى ، ولا أخاى ، وإنما المسموع عنهم رأيت أبى وأخي ، وحكى سيبويه كسرت فىّ - أدلّ دليل على أنهم لم يراعوا حديث الاستخفاف والاستثقال حسب ، وأنّه أمر غيرهما . وهو اعتزامهم ألا تجيء هذه الياء إلّا بعد كسرة أو ياء أو ألف لا تكون علما للنصب : نحو هذه عصاي وهذا مصلاى . وعلى أن بعضهم راعى هذا الموضع أيضا فقلب هذه الألف ياء فقال : عصىّ ، ورحيّ ، ويا بشرىّ [ هذا غلام ] " 1 " ، وقال أبو دواد : فأبلونى بليتكم لعلىّ * أصالحكم وأستدرج نويّا " 2 " وروينا أيضا عن قطرب : يطوّف بي عكبّ في معد * ويطعن بالصملّة في قفيّا

--> ( 1 ) " يا بشرىّ " بتشديد الياء : قراءة أبى الطفيل والحسن وابن أبي إسحاق والجحدري : بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء الإضافة ، وهي لغة لهذيل وانظر البحر 5 / 291 . ( 2 ) البيت من الوافر ، وهو لأبى دؤاد الإيادى في ديوانه ص 350 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 701 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 839 ، وللهذلىّ في مغنى اللبيب 2 / 477 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( علل ) ، ومغنى اللبيب 2 / 423 .